الضوابط العلمية لعرض الحديث الصحيح على القرآن (المنهج والتطبيق) محمد بن قاسم شقبقب

الضوابط العلمية لعرض الحديث الصحيح على القرآن

الجزء ١ · صفحة ١٠١

آنذاك

والملاحظ أن مقياس العرض لدى الصحابة كان قاعدةً مسلّماً بها في أذهانهم؛ لا تحتاج إلى طول تفكير في تأصيلها وتقعيدها، وكان يمارس على سليقتهم ضمن اجتهادات فردية، ولم يكن منهجا مبلورا أو مميّز المعالم؛ وهذا شأن أيّ علم في ذلك العهد يُستحضر ويُطبَّق تلقائيا لصفاء أذهانهم وجودة قرائحهم. وأما كون ما نُقل من تطبيقاتهم لتلك القاعدة قليلة العدد؛ فيعود الأمر إلى عدم انتشار ظاهرة الوضع بالحجم الذي ظهر لاحقا، فكانت الحاجة لهذا المقياس محدودةً، يُلجأ إليه عند الضرورة كالشكّ في ثبوت حديث منقول إليهم؛ أو لوقوع سهو أو خطا في روايته؛ لكن وقوع الفتنة بعد ذلك وانتشار ظاهرة الوضع والكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم جعل الحاجة إلى مقياس العرض أشدّ وأمس، وأصبح من الضروري جعلها قاعدةً مطردة ومبدأ ملتزماً به.

وبالرغم من ورود هذه المرويات المبينة لتطبيقات الصحابة للعرض في كتب الصحاح؛ يذكر معتز الخطيب أنه "بمراجعة مواقف المحدثين في كتب الشروح من استدراكات، عائشة تبيّن أنهم لم يوافقوا السيدة عائشة في آرائها، وغالبًا ما كانوا يلجأون إلى الجمع والتوفيق بين الروايات"، وهذا عملاً بقاعدة الجمع أولى من الترجيح، والإعمال أولى من الإهمال، لكنَّ صواب ذلك متوقف على عدم الوقوع في التكلّف والتعسف والتأويل البعيد، كما سنرى في فصل الضوابط.

ثانيا: روايات مدرسة الشيعة الإمامية.

وردت رواية العرض على الكتاب في مصادر الشيعة الإمامية من نحو عشرين طريقا، وأوّلُ هذه الروايات ما أورده الكليني (ت 328 هـ) في مقدمة صحيحه الكافي في قوله: "اعلم يا أخي أرشدك الله أنه لا يسع أحداً تمييز شيء مما اختلفت الرواية فيه عن العلماء عليهم السلام برأيه إلا على ما أطلقه العالم بقوله ال: «اعرضوها على كتاب الله؛ فما وافى كتاب الله و فخذوه وما خالف كتاب الله فردّوه "3، فبيّن أن أجدى طريقة للتمييز في الرواية المختلف فيها ومعرفة صحتها هي عرضها على كتاب الله.

4

ويمكن تقسيم تلك الروايات إلى صنفين: صنف مروي عن النبي، وصنف مروي عن أئمة آل البيت؛ ليست كلها صحيحةً عند الإمامية، فبعضُها صححه المجلسي، وبعضها ضعفه، كما هو موضح في التخريج، هذا بالنسبة لكتاب الكافي؛ أما بالنسبة لكتب الحديث الشيعية الأخرى فلم أقف على كتاب يورد

وهي

1

معتز الخطيب، 'عرض الحديث على القرآن: النشأة والمسار والتحولات، مجلة التجديد، ماليزيا 2008 م، مج 12، ع 24، ص 47؛ وينظر: ابن حجر، فتح الباري، مرجع سابق، 154/ 3 - 157.

2

ينظر: علي حسن مطر الهاشمي، بحوث في نقد روايات الحديث، ط 1، منشورات، ناظرين قم إيران، 1429 هـ، ص 125.

3 الكليني، مقدمة الكافي، مرجع سابق، 8/ 1. 4 يُنظر في الحكم على أحاديث كتاب الكافي: محمد باقر المجلسي، مرآة العقول شرح أخبار الرسول، مرجع سابق، 227/ 1 فما بعد.

82