الضوابط العلمية لعرض الحديث الصحيح على القرآن (المنهج والتطبيق) محمد بن قاسم شقبقب

الضوابط العلمية لعرض الحديث الصحيح على القرآن

الجزء ١ · صفحة ١١١

المطلب الثالث: الأدلة العقلية على فكرة العرض.

ميز الله تعالى الإنسان وفضله على كثير من المخلوقات بنعمة العقل، وأمره في مئات الآيات من كتابه بإعماله كقوله تعالى: أَفَلَا تَعْقِلُونَ} [سورة البقرة: 44]، ﴿وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [سورة البقرة:73]؛ بل شبه معطلي عقولهم بالأنعام وتوعدهم بالنار حيث قال: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا، وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا، وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا، أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمُ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾ [سورة الأعراف: 179]، وجعل العقل مناط التكليف فقال: إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} [سورة الرعد: 4]؛ فلولا العقل والتمييز لما كان هناك تكليف موجب للثواب والعقاب. عرف الرازي (ت 606 هـ) العقل فقال: "المشهور أن العقل الذي هو مناط التكليف هو: العلم بوجوب الواجبات، واستحالة المستحيلات؛ لأن العقل لو لم يكن من قبيل العلوم يصح انفكاك أحدهما عن الآخر، لكان

علماً

محال؛ لاستحالة أن يوجد عاقل لا يعلم شيئا البتة، أو عالم بجميع الأشياء ولا يكون عاقلا، وليس هو بالمحسوسات، لحصوله في البهائم والمجانين؛ فهو إذا علم بالأمور الكلية، ففسر العقل بأنه العلم بالأمور الضرورية، كوجوب الواجبات ومثاله: أنّ لِكُلِّ مُسبَّبٍ سَبَب، ووراء كل مصنوع صانع؛ واستحالة المستحيلات، كاستحالة اجتماع النقيضين؛ ونحو ذلك من البدهيات التي يُسلّم بها جميع العقلاء.

من هذا المنطلق؛ نحاول أن نسلّط الضوء في هذا المطلب على البراهين العقلية التي تدلل على قاعدة عرض الحديث على القرآن الكريم، وذلك من خلال الموازنة بين خصائص كل من القرآن الكريم والحديث الصحيح في العناصر الآتية:

(1) وحي اللفظ ووحي المعنى.

القرآن الكريم معناه ولفظه من الله تعالى أما الحديث الثابت فمعناه من الله تعالى ولفظه من النبي؛ وأحيانا يكون المعنى أيضا اجتهادا من النبي الله في إطار القواعد الكلّية المستخلصة من القرآن الكريم الذي أمره

الله تعالى ببيانه للناس.

وحي

متلو

ذكر ابن حزم (ت 456 هـ) أن "الوحي ينقسم من الله و إلى رسوله على قسمين: أحدهما مؤلف تأليفا معجز النظام وهو القرآن والثاني: وحي مروي منقول غير مؤلّف ولا معجز النظام ولا متلو، لكنه مقروء، وهو الخبر الوارد عن رسول الله، وهو المبين عن الله وكل مراده، فبيّن أن الوحي القرآني يختص بالتلاوة

والإعجاز، بينما الحديث النبوي لا يتصف بذلك.

211

محمد بن عمر فخر الدين الرازي، محصل أفكار المتقدمين والمتأخرين، دط، مكتبة الكليات الأزهرية، القاهرة، دت، ص 104.

ابن

حزم الإحكام في أصول الأحكام، مرجع سابق، 97/ 1.

22

92

1

2