الضوابط العلمية لعرض الحديث الصحيح على القرآن (المنهج والتطبيق) محمد بن قاسم شقبقب

الضوابط العلمية لعرض الحديث الصحيح على القرآن

الجزء ١ · صفحة ١١٤

عن أبي جحيفة قال: "قلت لعلي ه: هل عندكم شيء من الوحي إلا ما في كتاب الله؟ قال: " «لا والذي فلق الحبة وبرأ النسمة ما أعلمه إلا فهماً يعطيه الله رجلا في القرآن وما في هذه الصحيفة»، قلت: وما في الصحيفة؟ قال: «العقل، وفكاك الأسير، وأن لا يقتل مسلم بكافر 2؛ فعلي بن أبي طالب يقسم نافيا بوجود كتاب من الوحي غير القرآن وصحيفته التي تتضمن أحكاما فقهية يسيرة، وهذا الحديث يبيّن أن الإذن بالكتابة كان في حدود ضيّقة جدا، ولم يُكتب إلا شيء نادر من الأحكام.

علمه

وعن علي أيضا أنه قال من زعم أن عندنا شيئا نقرؤه إلا كتاب الله وهذه الصحيفة قال: وصحيفة «من معلقة في قراب سيفه - فقد كذب فيها أسنان الإبل، وأشياء من الجراحات»، فهو يؤكد الرواية السابقة، ويحكم بالكذب على من زعم غير ذلك.

وهناك روايات كثيرة جدا تفيد أن العديد من الصحابة والتابعين وتابعيهم كتبوا الحديث، ومنهم من كانت

له صحيفة باسمه، ويظهر من هذه الروايات أن الحديث لم يكن في عهد النبي يكتب مثلما كان يكتب القرآن الكريم؛ وإنما على فرض صحة هذه المرويات - "كان ذلك التدوين جزئيا غير شامل لكل كلام النبي وفردياً محدود النطاق، قام به أفراد لأنفسهم، ولم يكن عملاً أشرفت عليه الدولة وجماعة المسلمين"؛ لأن الأصل في ذلك هو النهي، وإنما كان يؤذن بالكتابة لبعض الحالات الخاصة، وما كتب فهو شيء قليل جدا بالنسبة لما لم يُكتب، قال ابن حجر: "اعلم علمني الله وإياك أن آثار النبي لم تكن في عصر أصحابه وكبار من تبعهم مدوّنة في الجوامع ولا مرتبة؛ لأمرين أحدهما إنهم كانوا في ابتداء الحال قد نهوا عن ذلك كما ثبت في صحيح مسلم خشية أن يختلط بعض ذلك بالقرآن العظيم، وثانيهما لسعة حفظهم وسيلان أذهانهم، ولأن أكثرهم كانوا لا يعرفون الكتابة، ثم حدث في أواخر عصر التابعين تدوين الآثار وتبويب الأخبار لما انتشر العلماء في الأمصار وكثر الابتداع"، فبين أن الأحاديث في عهد الصحابة وكبار التابعين لم تُدوَّن في جوامع الحديث ولم ترتب فيها؛ وسببه: نهي النبي عن كتابة غير القرآن؛ وأرجع ذلك إلى الخشية من اختلاط الحديث بالقرآن، وإلى أن أكثرهم يجيد الحفظ ولا يجيد الكتابة، وذكر أن تدوين الحديث وتبويبه إنما حدث في أواخر عهد التابعين بعد انتشار

611

العلماء في الأمصار وكثرة الابتداع.

1

2

3

4

العقل: هو الدِّيَة، "لأنهم كانوا يعقلون الإبل بفناء ولي المقتول؛ ابن منظور، لسان العرب (عقل)، مرجع سابق، 460/ 11.

البخاري، كتاب الجهاد والسير، باب فكاك الأسير، ح:2903.

مسلم، كتاب الحج، باب فضل المدينة، ح:2511.

ينظر: الخطيب البغدادي، تقييد العلم، صلاح الدين بن أحمد الأدلبي، منهج نقد المتن عند علماء الحديث النبوي، ط 1، دار الآفاق الجديدة، بيروت، 1983 م، ص 23 - 32، ومحمد مصطفى الأعظمي، دراسات في الحديث النبوي وتاريخ تدوينه، دط، المكتب الإسلامي، بيروت،

326 - 921980

5 صلاح

6

ابن

بن الدين

حجر

أحمد الأدلبي، منهج نقد المتن عند علماء الحديث النبوي، مرجع سابق، ص 48.

العسقلاني، مقدمة فتح الباري، مرجع سابق، 6/ 1.

95