الضوابط العلمية لعرض الحديث الصحيح على القرآن
الجزء ١ · صفحة ١١٥وفسر بعض علماء الحديث اختلاف الروايات بين النهى عن الكتابة أو الأمر بها؛ بأن النهى كان في أول
الأمر لئلا تختلط الروايات بالقرآن، ثم أذن النبي بعد ذلك بالكتابة لكل من رغب في ذلك وقدر عليه؛ ويُستشكل على هذا التفسير ما ورد من روايات كثيرة تفيد باستمرار النهي وكراهة تقييد الحديث لدى الصحابة والتابعين بعد وفاة النبي، حيث قال صبحي الصالح عن عهد الصحابة: "حتى إذا كان عهد الخلفاء الراشدين لم يتغيّر الحال كثيرا، فقد كانت آراء هؤلاء الخلفاء في التشدّد في الرواية والتورّع عن الكتابة امتدادا لآراء إخوانهم الصحابة في عصر الرسول"، وقال عن عهد التابعين: "وإذا انتقلنا إلى عصر التابعين هالتنا تلك الروايات
311
المتضافرة على كراهة كبار التابعين وأوساطهم وأواخرهم للكتابة، ثم لا نلبث أن نجد كثيرا منهم يتساهلون في أمرها، أو يرخصون بها، أو يحضون عليها، ونجدها أصبحت أمرا رسميا في عصر أوساطهم"، ثم حاول الجمع بين النبي
411
الروايات بأن الامتناع كان عن كتابة آرائهم الخاصة التي قد يتراجعون عنها، أما تدوين سنة يستحسنونه ويحتون عليه
•
فهم
وهذا الجمع بين الروايات المتضاربة لا يخلو من تكلّف في نظر الباحث؛ لأن العديد منها ينص على الامتناع عن كتابة الأحاديث ذاتها وليس مجرد الآراء الشخصية، كما روي عن عروة بن الزبير "أن عمر بن الخطاب أراد أن يكتب السنن فاستشار في ذلك أصحاب فأشاروا عليه أن يكتبها، فطفق عمر يستخير الله فيها شهرا، ثم أصبح يوما وقد عزم الله له، فقال: إني كنت أردت أن أكتب السنن وإتي ذكرت قوما كانوا قبلكم كتبوا كتبا فأكبّوا عليها وتركوا كتاب الله تعالى وإني والله لا ألبس كتاب الله بشيء أبدا، فالرواية تنص على أن فكرة تدوين السنن عُرضت على عمر، فامتنع عنها مخافة الانكباب عليها وترك كتاب الله. وقد درس الباحث وليد عوجان روايات النهي عن كتابة الحديث، وناقش آراء العلماء فيها، وتوصل في نتيجة بحثه إلى أن: "النهي عن الكتابة والتدوين كان لأجل توجيه اهتمام المسلمين وعنايتهم إلى القرآن قراءة وحفظا وتدبّرا، وهذا يبرز مدى مركزية القرآن الكريم ومحوريته لدى الصدر الأول في الإسلام مقارنة بالحديث.
1
ينظر: عبد الله بن مسلم ابن قتيبة الدينوي، تأويل مختلف الحديث، تح: سليم الهلالي، ط 2، دار ابن عفان، القاهرة، 2009 م، ص 536؛ الحسن بن عبد الرحمن الرامهرمزي، المحدث الفاصل بين الراوي والواعي، تح: محمد عجاج الخطيب، ط 3، دار الفكر، بيروت، 1984 م، ص 386. ينظر: الخطيب البغدادي، تقييد العلم، مرجع سابق، 36 - 63. صبحي الصالح، علوم الحديث ومصطلحه، مرجع سابق، ص 39.
2
3
4
5
م ن، ص 41. والصواب: "أواسطهم" بدل "أوساطهم". ينظر: م ن، ص 41 - 43.
6 أحمد بن علي الخطيب البغدادي، تقييد العلم، باب ذكر الرواية عن التابعين في ذلك، ح:63، 66، ص 49 - 51. 7 باحث بكلية الآداب قسم الشريعة والدراسات الإسلامية، جامعة مؤتة، الأردن.
8
وليد عوجان، النهي عن تدوين غير القرآن دراسة ومناقشة، مجلة مؤتة للبحوث والدراسات، مج 10، ع 3، الأردن، 1995 م، ص 64.
96