الضوابط العلمية لعرض الحديث الصحيح على القرآن
الجزء ١ · صفحة ١١٦واستمر الأمر على هذه الحال إلى عهد عمر بن عبد العزيز (ت 101 هـ) الذي كان أول من أمر بجمع
الحديث بصفة رسمية، قال أبو زهو: "كاد القرن الأول ينتهي ولم يصدر أحدٌ من الخلفاء أمره إلى العلماء بجمع الحديث، بل تركوه موكولاً إلى حفظهم وبعض كتابات لأفراد منهم يعملونها لأشخاصهم أو لمن يطلبها منهم"،
1.
وكان دافع الخليفة عمر بن عبد العزيز هو خوفه من ضياع الحديث بذهاب أهله، فعن عبد الله بن دينار قال: "كتب عمر بن عبد العزيز إلى أبي بكر بن محمد بن حزم أن: انظر ما كان من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم أو سنة ماضية أو حديث عمرة فاكتبه؛ فإني خشيت دروس العلم وذهاب أهله"، وأمر أيضا ابن شهاب بذلك، كما
جاء في ألفية السيوطي: "أولُ جامع الحديث والأثـ
ابن شهاب آمراً له عمـ
أي عمر بن عبد العزيز. وبالرغم من ذلك فقد بقيت كراهة كتابة الحديث مستمرة، كما رُوي عن الزهري (ت 124): "كنا نكره كتاب العلم، حتى أكرهنا عليه هؤلاء الأمراء، فرأينا ألا نمنعه أحدًا من المسلمين، فيبدو أن كتابة العلم –أي الحديث- لم يحظ بترحيب من بعض التابعين أول الأمر، ثم فتح بابه استجابةً لأمر الأمراء، وما شجعهم على الكتابة هو بروز ظاهرة الوضع في الحديث، وخوفهم أن تُحظى بالقبول لدى الناس فتكون بديلاً عن الأحاديث الصحيحة، حيث قال الزهري: "لولا أحاديث سالت علينا من المشرق تنكرها لا نعرفها، ما كتبتُ حديثاً، ولا أذنتُ في كتابه"، فيظهر من هذا أن الامتناع عن الكتابة خوفاً من الانشغال بها عن القرآن هو الأصل، ولا زال سارياً حتى في عهد التابعين وتابعيهم، لكن الضرورة ألحت على الكتابة بسبب الخوف من شيوع الروايات الموضوعة ورواجها بين المسلمين بدل الأحاديث الصحاح.
511
فالموقف إذاً من كتابة الحديث بقى محل تجاذب بين العلماء في عهدي الصحابة والتابعين ومن بعدهم، واختلاف المواقف في المسألة يرجع إلى تقدير الضرورة، فبعضهم يجد الحاجة ملحة للكتابة خوفاً من شيوع الابتداع، وبعضهم يتورع عن ذلك للعلة التي كانت مقدَّمة عند الصدر الأول، وهي التمسك بكتاب الله الانشغال عنه بغيره إلى أن استقر الأمر على جواز الكتابة بعد ذلك باتفاق العلماء كما قال ابن حجر: "السلف اختلفوا في ذلك عملاً، وتركاً، وإن كان الأمر استقرّ والإجماع انعقد على جواز كتابة العلم، بل على استحبابه، بل
وعدم
1
2
محمد أبو زهو الحديث والمحدثون، مرجع سابق، ص 127 - 128.
صحيح البخاري، كتاب العلم، باب: كيف يُقبض العلم، مرجع سابق، ص 38. ومحمد ابن سعد، الطبقات الكبرى، تح: محمد عبد القادر عطا، ط 1، دار الكتب العلمية، بيروت، 1990 م، 350/ 8.
3
4
5
السيوطي، ألفية السيوطي في علم الحديث، بشرح أحمد شاكر، دط، المكتبة العلمية، دب، دت، ص 7.
محمد ابن سعد، الطبقات الكبرى، مرجع سابق، 296/ 2؛ وينظر: الخطيب البغدادي، تقييد العلم، مرجع سابق، 45 - 49. سعد، الطبقات، مرجع سابق، 352/ 5.
ابن
97