الضوابط العلمية لعرض الحديث الصحيح على القرآن (المنهج والتطبيق) محمد بن قاسم شقبقب

الضوابط العلمية لعرض الحديث الصحيح على القرآن

الجزء ١ · صفحة ١١٨

التي كان فيها القرآن غضا طريا، والمصاحف لم تكن منتشرة حينئذٍ في الآفاق، فيُخاف أن تتعرّض للتحريف والزيادة والنقصان كما حُرّفت الكتب السابقة.

وبالنسبة لمدرستي الزيدية والإباضية ففي حدود علمي واطلاعي لم تكن مسألة النهي عن الكتابة مطروحة لديهم؛ لذلك شرعوا في تدوين الحديث في عهد مبكّر نسبيا، لكن مع الحرص على عدم الإكثار من الرواية، فنجد لدى الزيدية مسند زيد (ت 122 هـ) وغيره من الكتب الحديثية، ونجد عند الإباضية مسند

الربيع (ت 175 هـ)، الربيع (ت 175 هـ)، وثبت عندهم أن جابر بن زيد (ت 93 هـ) كتب قبل ذلك ديواناً، يقال له: "ديوان جابر بن

1،

زيد، وقد بقي مدة في خزائن، بغداد، وهو الآن مفقود، فلم يكن النهي واردا لديهم.

ومهما يكن من أمر صحة الروايات الناهية عن كتابة الحديث أو عدم صحتها أو نسخها؛ فحاصل ما في الأمر اليوم أن الأحاديث قد قيدت ودونت، واجتهد العلماء في تمييز الصحيح عن غيره، وبقي الآن تمحيص هذه الأحاديث الصحاح لدى كل مدرسة بمقياس العرض على القرآن الكريم، قال معتز الخطيب: "لست أريد مناقشة إباحة كتابة الحديث وحظره، وإنما الإشارة إلى مرجعية القرآن الكريم، وأنه الأساس الذي يُبنى عليه، والمقياس الذي

يُحتكم إليه، وهذا ما فهمه الصحابة، وتأتي ممارسة بعضهم لعرض الروايات على القرآن في سياق هذا التوجّه' فثبوت روايات النهي أو عدم ثبوتها لا يهم بقدر ما تهم المكانة التي كانت تُعطى للقرآن الكريم لدى الصدر الأول للإسلام بالنسبة إلى غيره.

ومن هنا فليس المحذور في كتابة الحديث بحدّ ذاته، وإنما المحذور في أن يصبح الحديث المصنف في الصحاح الخاصة بكل مذهب- هو البديل عن القرآن أو الناطق باسمه والبوابة الوحيدة إليه، أو أن يُجعلا في مرتبة واحدة في الاعتبار، مع أن ما جعل النبي ينهى عن كتابة الحديث، وكذا الخلفاء الراشدين والفقهاء من الصحابة والتابعين يتورّعون عن ذلك ويحذرون ويمنعون هو الانشغال به عن كتاب الله تعالى؛ إذاً فالإشكال ليس متوقفا على أمر الكتابة، وإنما على طريقة التعامل مع ما دُوّن من الأحاديث الصحيحة، وكيف يتم تحديد مرتبتها بالنسبة إلى القرآن الكريم، وهل يُعطى القرآن الكريم دور الحاكم والمقياس الأساس في عملية نقدها وتمحيصها، أو لا يُعطى هذه السلطة والمقام؟!.

6

أضف إلى ذلك الظروف التي دُوّن فيها الحديث وعدم شمول عملية التدوين في الصدر الأول لكل الأحاديث برمتها، وعدم تمام العملية رسميا في ظل وحدة الأمة، بل بعد تفرّقها وانفراط عقدها، وكذا المراحل والحيثيات التي مر بها الحديث من الطور الشفهي إلى الطور الكتابي، وامتزاج ما دُوّن مبكرا في القرن الأول مع ما دوّن لاحقا في القرن الثاني والثالث -وهو الغالب، بحيث يتعذر التمييز بينهما في الصحاح التي بين أيدينا؛ كل

امحمد بن سليمان المطهري، فتح المغيث في علوم الحديث، تح: أحمد حمو كروم، وعمر أحمد بازين، دن، الجزائر، 1998 م، ص 31. معتز الخطيب، 'عرض الحديث على القرآن النشأة والمسار والتحولات، مجلة التجديد، مرجع سابق، ص 54.

99

1

2