الضوابط العلمية لعرض الحديث الصحيح على القرآن
الجزء ١ · صفحة ١١٩ذلك دلائل وبراهين قوية ترشدنا إلى ضرورة بذل المزيد من الجهد في تنقية الصحاح وتمحيصها، بمختلف مقاييس
النقد، وفي مقدمتها العرض على الكتاب العزيز.
3) الرواية باللفظ والرواية بالمعنى.
ننتقل إلى مناقشة هذا العنصر الذي هو ناتج عن العنصر الآنف تاريخ التدوين؛ فنجد أن القرآن الكريم قد تم حفظه وتبليغه كاملا باللفظ والحرف، ولم يُرو منه شيء بالمعنى؛ وهذا لأنه دوّن بين يدي رسول الله؛ بينما الحديث فهل كان يتم نقله في عهد ما قبل التدوين باللفظ أو بالمعنى؟ سيتضح ذلك من خلال ما يأتي:
وردت روايات عن الصحابة والتابعين تنص على جواز الرواية بالمعنى؛ وأنهم كانوا يفعلون ذلك، منها: أنّ واثلة بن الأسقع سُئل "أن يحدث بعض أصحابه أو تلاميذه بحديث ليس فيه وهم ولا مزيد ولا نسيان؟ فقال: هل قرأ أحد منكم من القرآن شيئًا؟، قالوا نعم، وما نحن له بحافظين جدًّا، إنا لنزيد الواو والألف وننقص، قال: هذا القرآن مكتوب بين أظهركم لا تألونه، حفظًا وأنتم تزعمون أنكم تزيدون وتنقصون؛ فكيف بأحاديث من رسول الله عسى ألا نكون سمعناها منه إلا مرة واحدة؟! حشبكم إذا حدثناكم بالحديث على المعنى""، ففي هذه الرواية يحتج الصحابي واثلة على تلاميذه ويبيّن لهم أن نقل الحديث كما هو بتمام لفظه أمرٌ يعجز عنه الإنسان فالخطأ يرد حتى في تلاوة القرآن من الحافظة وهو مكتوب ومحفوظ؛ فكيف الأمر بالنسبة
سمعناها
للحديث الذي قد يكون شمع من النبي مرة واحدة فحسب، ويذكر أن الرواية بالمعنى تكفي في الحديث. وعن حذيفة أنه قال: "إنا قوم عرب نردّد الأحاديث فنقدّم ونؤخّر "، أي من عادة العرب تقديم بعض
2
الألفاظ وتأخير بعضها لتعويلهم على الحافظة دون الكتابة، ومثاله عبارة: «وصوم رمضان وحج البيت»، رواه بعضهم. هكذا، ورواه آخرون بتقديم الحج وتأخير الصوم، وهنا لم يؤثر في المعنى.
4
وسئل الحسن البصري (ت 110 هـ) عن "الرجل يحدّث بالحديث فيزيد فيه أو ينقص منه، قال: إنما الكذب
511
على من تعمّد ذلك، فأجاز لهم الزيادة والنقصان في رواية الحديث بشرط عدم التعمد.
كما سُئل الزهري (ت 124 هـ) عن التقديم والتأخير في الحديث فقال: "إن هذا يجوز في القرآن، فكيف
به
في الحديث؟ إذا أصبت معنى الحديث فلم تحل به حراما ولم تحرم به حلالا فلا بأس، فذكر أن التقديم والتأخير للألفاظ جائز ما لم يغيّر المعنى، ولكن نتحفّظ عن جواز ذلك في القرآن إلا خطاً.
1
2
3
5
السيوطي، تدريب الراوي في شرح تقريب النووي، مرجع سابق، 534/ 1 - 535.
535/ 18
سنن الترمذي الجامع الصحيح الذبائح، أبواب الإيمان، باب ما جاء بني الإسلام على خمس، ح:2597. صححه 4 كما في: صحيح مسلم، كتاب الإيمان، باب قول النبي صلى الله عليه وسلم الإسلام على خمس، ح:45.
: السيوطي، تدريب الراوي في شرح تقريب النووي، مرجع سابق، 535/ 1.
6 م ن، 535/ 1 - 536.
الألباني.
100