الضوابط العلمية لعرض الحديث الصحيح على القرآن
الجزء ١ · صفحة ١٢١فنأخذ من النصوص السابقة أنّ جواز الروية بالمعنى مشروط بشرط أساسي، وهو الوعي بالحديث بحيث ألا يؤدّي الأمر إلى تغيير معناه، قال الخطيب البغدادي (ت: 463 هـ): وإن كان النقصان من الحديث شيئًا لا يتغيّر به المعنى كحذف بعض الحروف والألفاظ والراوي عالم واع محصل لما يغيّر المعنى وما لا يغيره من الزيادة والنقصان؛ فإن ذلك سائغ له على قول من أجاز الرواية على المعنى، دون من لم يجز ذلك"، فاشترط أن يكون الراوي واعيا لما يرويه مدركا لما يغيّر المعنى وما لا يغيّره.
لكن بالرغم من هذه الضوابط المساهمة في التقليل من الأخطاء؛ تبقى الرواية بالمعنى عرضةً للسهو والخطأ
أنه
والنسيان واشتباه الأمر على الراوي، وغير ذلك من العوارض التي تعتري الإنسان، كيف لا؛ والمشاهد في الواقع يصعب على الواحد تكرار جملة واحدة بحرفها بعد قيامه من مجلسه بوقت قصير؛ فكيف إذا طال به الأمد سنيناً أو عقودا من الزمان، وحتى لو أُخذ بعين الاعتبار العناية الفائقة للرواة في نقل أحاديث النبي، فطول الزمان كفيل بإنسائها مع كثرة عددها والظروف العصيبة التي مروا بها.
قال الطاهر الجزائري (ت 1338 هـ): "لما توفي النبي عليه الصلاة والسلام بادر الصحابة إلى جمع ما كتب في عهده في موضع واحد، وسموا ذلك المصحف واقتصروا على ذلك؛ ولم يتجاوزوه إلى كتابة الحديث وجمعه في موضع واحد كما فعلوا بالقرآن؛ لكن صرفوا هممهم إلى نشره بطريق الرواية، إما بنفس الألفاظ التي سمعوها منه عليه الصلاة والسلام إن بقيت في أذهانهم، أو بما يؤدّي معناها إن غابت عنهم، فنلاحظ أنه ميّز بشكل جلي بين ما تم إجراؤه مع كتاب الله من تدوين وجمع في مصحف واحد، وبين ما تم إجراؤه مع الحديث؛ حيث اقتصر على نقله ونشره بالرواية، ونتج عن ذلك أن القرآن الكريم نُقل باللفظ، أما الحديث فنقل بالمعنى في الغالب، إلا ما علق في الأذهان من لفظه
وبيّن أن "المقصود بالحديث هو المعنى ولا يتعلّق في الغالب حُكم بالمبنى، بخلاف القرآن؛ فإن لألفاظه مدخلا في الإعجاز، فلا يجوز إبدال لفظ منه بلفظ آخر ولو كان مرادفا له؛ خشية النسيان مع طول الزمان فوجب أن يُقيّد بالكتابة ولا يُكتفى فيه بالحفظ "، فالقرآن الكريم فيه أوجه من الإعجاز في مبناه إضافة إلى إعجازه بالمعنى؛ بينما الحديث فالذي يهم هو معناه، ولا يتعلق الإعجاز بمبناه في الغالب.
311
ومما يزيد الأمر التباسا وقوع الإدراج أو زيادة الثقات في لفظ الحديث، فقد تجيء بعض الروايات تحمل زيادة لفظة أو جملة في متن الحديث، فتختلف عن غيرها من الروايات في الموضوع الواحد، فيترتب عنها اختلاف
1
2
الخطيب البغدادي الكفاية في علم الرواية، مرجع سابق، 193/ 1.
الطاهر الجزائري، توجيه النظر إلى أصول علم الأثر، تح عبد الفتاح أبو غدة، ط 1، مكتب المطبوعات الإسلامية، حلب، 1995 م، 45/ 1. 3 الطاهر الجزائري، توجيه النظر إلى أصول علم الأثر، مرجع سابق، 45/ 1.
102