الضوابط العلمية لعرض الحديث الصحيح على القرآن
الجزء ١ · صفحة ١٢٤1،
ينكرها إطلاقا، حملاً على سهو الناقل وخطئه ووهمه "، فالصحابة كانوا يتعاملون مع بعضهم على أنهم بشر،
يصيبون ويخطئون، ولم يكن اتصافهم بالصحبة مانعاً إياهم من نقد رواية بعضهم البعض.
ويُرجع صلاح الدين الأدلبي أسباب وقوع الوهم لدى الراوي الصحابي إذا صدر منه إلى أحد الأسباب الآتية: "أن يحدث بما سمعه من النبي الله ولا يدري أنه منسوخ، أو أن يقع له انقلاب بين شيئين أو لفظين، فيجعل كل واحد منهما مكان الآخر، وهذا هو المقلوب، أو أن يقول مع رواية الحديث قولاً من عند نفسه متصلا بنص الحديث فيظنه السامعون أنه مرفوع، وهذا هو المدرج، أو أن يروي الحديث في مورد يجعله يتحمّل من المعنى أكثر مما يحتمل، أو أن لا يضبط لفظ الحديث بحيث يختلف المعنى، أو أن يروي الحديث على غير وجهه لغفلته عن سبب الورود، أو أن يقع له غلط فيروي واهما عن النبي ما لم يسمعه منه، فهذه بعض الأسباب ينشأ منها الغلط في الرواية، وهي في الواقع غير بعيدة الصدور من أي إنسان، وتتكرّر هذه الأسباب أكثر كلّما طالت المدة بين السماع والأداء، أو طال زمن ما قبل التدوين.
التي
211
فإذا كان هذا هو حال الصحابة، وهم قد عاصروا التنزيل وعايشوا الحوادث والوقائع في عهده؛ فكيف بمن بعدهم؛ فما قيل هنا عن الصحابة يصدق على من دونهم من الرواة من باب أولى؛ إذ كلّما طالت سلسلة الإسناد كلّما كثرت احتمالات الخطأ والوهم؛ قال الشافعي (204 هـ): "كثرة الإحالة كان أمْكَنَ للوهم وضعفِ مَن يُقبل عنه، وقد خَبَرْتُ بعض من خَبَرْتُ من أهل العلم، فرأيتهم أُتُوا من خصلة وضدها؛ رأيتُ الرجلَ يَقْنع بيسير العلم، ويريد إلا أن يكون مستفيداً إلا من جهة قد يتركه من مثلها أو أرجح، فيكون من أهل التقصير في العلم؛ ورأيت من عاب هذه السبيل، ورغب في التوسع في العلم من دعاه ذلك إلى القبول عن من لو أمسك عن القبول عنه كان خيراً له؛ ورأيت الغفلة قد تدخل على أكثرهم، فيقبل عن من يردُّ مثله وخيراً منه ويدخل عليه فيقبل عن من يعرف ضعفه إذا وافق قولاً يقوله، ويَرُدُّ حديث الثقة إذا خالف قولاً يقوله"، فبين بعض موارد الخطأ والميل لدى الرواة، واحتمال ذلك يتزايد أكثر كلّما طالت سلسلة الرواة.
ولذا قال ابن الصلاح (ت 643 هـ): "العلوّ يُبعد الإسناد من الخلل؛ لأن كل رجل من رجاله يحتمل أن يقع الخلل من جهته سهواً أو عمداً، ففي قلّتهم قلة جهات الخلل، وفي كثرتهم كثرة جهات الخلل، وهذا جلي واضح"، فبيّن أنه كلما زاد عدد الرجال في سلسلة الإسناد زادت احتمالات الأخطاء الصادرة منهم. وهذه طائفة من أقوال علماء الحديث في بيان إمكان الغلط في الرواية:
1
صلاح
4
الدين بن أحمد الأدلبي، منهج:
نقد المتن عند علماء الحديث النبوي، مرجع سابق، ص 105؛ وينظر: بدر الدين الزركشي، الإجابة لإيراد ما
استدركته عائشة على الصحابة، تح: سعيد الأفغاني ط 2، المكتب الإسلامي، بيروت، 1970 م، ص 71 - 160.
2
3
صلاح الدين الأدلبي، منهج
نقد المتن عند علماء الحديث النبوي، مرجع سابق، ص 106.
237
الشافعي، الرسالة، مرجع سابق، ص 4 ابن الصلاح، علوم الحديث، مرجع سابق، ص 256.
105