الضوابط العلمية لعرض الحديث الصحيح على القرآن (المنهج والتطبيق) محمد بن قاسم شقبقب

الضوابط العلمية لعرض الحديث الصحيح على القرآن

الجزء ١ · صفحة ١٣٦

الأحاديث والأخبار من الرواة الموثوق بهم داخل نطاقها، مستبعدةً روايات المدارس الأخرى لكون رواتها مجروحين لديها ومتهمين بالابتداع أو يمنعهم من ذلك انتماؤهم السياسي.

ولذا يرى عبد الحميد أبو سليمان أنه حين نشطت حركة الرواية والتدوين مستندة إلى سلسلة جموع غفيرة من سالف الرواة على مدى قرنين من الزمان تفاوتت درجات وعيهم وإدراكهم وزوايا رؤيتهم، على اختلاف الزمان والمكان والصفات والمشارب والولاءات وما تعرّضوا له من حروب، وصراعات وما توزّعتهم من مصالح وتحزبات وعصبيات وآراء وغايات ومؤثرات مدركة وغير مدركة؛ كل ذلك جعل مهمة التدوين والتحقيق لكثير من النصوص مهما بذل أصحابها من الحرص والإخلاص من أصعب المهام، بعد مضي كل هذه العقود والقرون، فتلك الأحداث التاريخية السياسية وزّعت الناس - ومن بينهم الرواة إلى أحزاب وطوائف متباينة المشارب والغايات فكانت عملية التدوين من أعسر المهام وأعقدها في ظل تلك الظروف، التي ستؤثر حتما في العملية، عن إدراك أو عن غير إدراك.

وذكر أنّ من الصعب جدا مع كل تلك العوامل الضبط الكامل والتوثيق الدقيق، والتأكد من سلامة مداخل الرواية التي لا حصر لها، والذي يؤدّي ولا شكّ - إلى حتمية الوقوع في كثير من المزالق، ووقوع كثير من الخطأ والخلط والتهاون والتدليس؛ بسبب ما قد يقع فيه بعض الرواة من ابتسار القول وبتره، أو عدم إدراك المعاني أو خطأ

السمع أو خلطه، أو النسيان أو الهوى أو طلب السمعة، أو الغفلة أو الدس، الذي ينم عن كثير منها ما

يمكن أن يلحظه المتدبّر للتفاوت والخلط والتعارض بين الرواة، بل حتى في الأقوال المنسوبة إلى الراوي الواحد فاستحضار حيثيات عملية التدوين في ظل الأحداث التاريخية التي مرّت بالأمة بطريقة موضوعية بعيدا عن العاطفة- سيفتح العديد من الاحتمالات بشأن المؤثرات التي يمكن أن تؤثر فيها، ومهما تمت عمليات التوثيق والتمحيص بضبط وإتقان وتفانٍ وإخلاص؛ فإنه لا يمكن التأكد الجازم من نقاء الروايات الصحاح من الشوائب

البشرية المضافة؛ وبيان ذلك تفصيليا يحتاج إلى دراسة تحليلية مستقلة في مداخل الرواية والعوامل المؤثرة فيها. والقرآن الكريم بالرغم من أنّ بعض معانيه تعرّضت للتوظيف والاستدلال الانتقائي لنصرة الآراء والمذاهب، وحرفت عن مقاصدها الأصلية، إلا أنه يبقى في نصه ولفظه ومضمونه كتاب الله المقدّس المحفوظ، الذي لم يتطرق إليه شيء من الباطل ولا من الأهواء السياسية، فلم يتأثر بشيء من ذلك؛ فحري به أن يكون حكما عدلا مؤتمناً بين أرباب المذاهب، وفيصلا موثوقا فيما اختلفوا فيه من الروايات.

6

عبد الحميد أبو سليمان، حوارات منهجية في قضايا نقد متن الحديث الشريف"، مجلة إسلامية المعرفة، ع 39، مرجع سابق، ص 235. أبو سليمان، حوارات منهجية في قضايا نقد متن الحديث الشريف"، مجلة إسلامية المعرفة، ع 39، مرجع سابق، ص 235 - 236.

117

1

2