الضوابط العلمية لعرض الحديث الصحيح على القرآن
الجزء ١ · صفحة ١٣٧وإن الحرص على نقاء الإيمان وصفاء الدين من الشوائب الفكرية والسياسية ليُلزم المؤمن الصادق ألا يسلّم إيمانه ودينه ومصيره الأبدي لروايات مرّت عليها أحداث التاريخ العصيب؛ بل إنّ ضميره الوجل من لقاء الله ليفرضُ عليه حتما ألاّ يأخذ إلا بما تم عرضه على كتاب الله الخالص؛ وتمييز صحيحه من سقيمه، وعنه من سمينه. (6) التعديل والتجريح.
سبق تعريف العدالة المشروطة في قبول الحديث لدى المدارس الإسلامية، ورأينا أنها متفقة في تعريفها، فالعدل هو المؤمن المتصف بالتقوى والسلامة من المعاصى وخوارم، المروءة، هذا من حيث التعريف النظري؛ أما من حيث التطبيق والإسقاط نجد نُقاد الحديث على مستوى المدرسة الواحدة - اتفقوا على تعديل كثير من الرواة وجرح كثير منهم؛ لكنّهم اختلفوا في الحكم على العديد منهم؛ وسبب ذلك كما ذكر عبد العظيم المنذري (ت 656 هـ) - أنّ الجرح والتعديل قائم على الاجتهاد، والاجتهاد مظنة الاختلاف؛ حيث قال: "اختلاف هؤلاء [أي علماء الجرح والتعديل] كاختلاف الفقهاء، كل ذلك يقتضيه الاجتهاد؛ فإن الحاكم إذا شهد عنده بجرح شخص اجتهد في أن ذلك القدر مؤثر أم لا، وكذلك المحدّث إذا أراد الاحتجاج بحديث شخص، ونُقل إليه فيه جرح، اجتهد فيه؛ هل هو مؤثر أم لا، فبيّن أن المسألة اجتهادية كالمسائل الفقهية.
ويؤكد الذهبي (ت 748 هـ) أيضا أن الأمر قائم على الاجتهاد، حيث قال: "وأما التابعون فيكاد يُعدم فيهم من يكذب عمدا، ولكن لهم غلط وأوهام؛ فمن ندر غلطه في جنب ما قد حصل احتمل، ومن تعدّد غلطه وكان من أوعية العلم اغتفر له أيضا ونُقل حديثه وعُمل به على تردّد بين الأئمة الأثبات في الاحتجاج عمّن هذا نعته 3، فبيّن أنّ هناك صنفاً مختلفاً في قبول روايته، وهو من تعدّد غلطه وكان إماماً في العلم، فيُجتهد هل يؤثر في روايته أو لا، وقد صنف في بيان ذلك كتابه الرواة الثقات المتكلّم فيهم بما لا يوجب ردّهم، وبهذا اتضح جليا أنّ الأمر ليس قطعا وإنما هو اجتهاد.
غلطه
ومن أمثلة الاختلاف في التعديل والتجريح ما أورده ابنُ عبد البر (ت 463 هـ) في قوله: "قد صع من طرقٍ
4
:
عَن ابْن معين أنه يتَكَلَّم فِي الشَّافِعِي "، وقال: "وقد كان ابن معين عفا الله عنه- يُطلق في أعراض الثقات الأئمة لسانه بأشياء أُنكِرت عليه، وأورد أمثلة عديدة مما قاله في الثقات، وقال الذهبي: "قد آذى ابنُ معين
511
1
ضمن شروط الحديث الصحيح في المبحث السابق.
2
عبد العظيم بن عبد القوي المنذري، جواب الحافظ أبي محمد عبد العظيم المنذري عن أسئلة فى الجرح والتعديل تح عبد الفتاح أبو غدة، دط، مكتب المطبوعات الإسلامية، حلب، دت، ص 83.
3
محمد بن
أحمد شمس الدين الذهبي الرواة الثقات المتكلم فيهم بما لا يوجب ردهم، تح محمد الموصلي، ط 1، دار البشائر الإسلامية، بيروت،
1992 م، ص 24.
4
5
يوسف ابن عبد البر، جامع بيان العلم وفضله، مرجع سابق، 1113/ 2. يوسف ابن عبد البر، جامع بيان العلم وفضله، مرجع سابق، 1113/ 2.
118