الضوابط العلمية لعرض الحديث الصحيح على القرآن (المنهج والتطبيق) محمد بن قاسم شقبقب

الضوابط العلمية لعرض الحديث الصحيح على القرآن

الجزء ١ · صفحة ١٣٨

نَفسَه بذلك، ولم يلتفت النَّاسُ إلى كَلَامه في الشَّافِعِي، وَلَا إلى كَلَامه في جَمَاعَة من الأثبات، كما لم يلتفتوا إلى توثيقه لبعض الناس؛ فَإنَّا نقبل قَوْله دَائِما في الجرْح وَالتَّعْدِيل، ونقدّمه على كثير من الحفاظ مَا لم يُخالف الْجُمْهُور في اجتهاده"، فاتضح بهذه الأمثلة أنّ المسألة اجتهادية، وفيها المقبول والمردود.

1،

وليس الاختلافُ بسبب الاجتهاد فحسب، بل أضاف الذهبي دافعَ الهوى والعصبية، حيث قَالَ: "وَكَلَامه يَعْنِي ابْن معين في الشَّافِعِي لَيْسَ من هَذَا اللَّفْظ الَّذِي كَانَ عَن اجْتِهَاد، وَإِنَّمَا هَذَا من فلتات اللسان بالهوى والعصبية، فَإِن ابْن معين كَانَ من الحَنَفِيَّة الغلاة في مذهبه، وَإِن كَانَ مُحدِّثا، وَكَذَا قَول الْحَافِظ أبي حَامِد ابن الشَّرْقِي كَانَ يحيى ابن معين وأبو عبيد سَيِّنَا الرَّأْي فِي الشَّافِعِي، فَصدق وَالله ابْنُ الشَّرْقِي، أساءا في ذاتهما فِي عَالم زمانه، فانتقد ابن معين (ت 233 هـ) في كلامه عن الشافعي (204 هـ)، مُرجعا الأمر إلى دوافع النفس

211

والتعصب المذهبي، وبخاصة إذا عُلم السجال الحادّ الذي جرى في ذلك العهد بين أهل الرأي وأهل الحديث. ومثل الذهبي لذلك بكلام الأقران بعضهم في بعض، وذكر أنه لا يُعمل به في الجرح، حيث قال: "كلام الأقران بعضهم في بعض لا يُعبأ به، لاسيما إذا لاح لك أنه لعداوة، أو لمذهب، أو لحسد، وما ينجو منه إلا من عصمه الله، وما علمت أن عصراً من الأعصار سلم أهله ذلك سوى الأنبياء والصدّيقين، ولو شئت لسردت من من ذلك كراريس"، فذكر أنها ظاهرة عامة في مختلف عصور الرواية.

311

4

أدت إلى

وقد تتبع أيمن محمود مهدي هذه المواقف وأسبابها في بحث مستقل، فذكر أن: "الأسباب التي وقوع كلام الأقران بعضهم في بعض كثيرة .... وهي: الحسد والغيرة والمنافسة والعداوة والبغضاء، والغضب وسوء الرأي، والجهل بقدر العلماء، وطبيعة البشر، وأنّ أحداً لم يسلم من الطعن فيه، والتأويل واختلاف الاجتهاد، والخلافات العقائدية، والتعصب وعدم الإنصاف، وسوء الظن والأخذ بالتوهم والقرائن التي تتخلف"، فهذه أهم الأسباب في جرح الأقران بعضهم لبعض، وهي صفات لا تخرج عن الطبيعة البشرية المعروفة. وذكر أن العلماء وضعوا "مجموعة من القواعد الضابطة لعملية الجرح والتعديل حتى لا يُقبل قول منشؤه أحد الأسباب السابق ذكرها، ومن أهم هذه القواعد ما أطلق عليه بعض العلماء: القاعدة الذهبية وهي: من غلبت طاعاته، وكثرت حسناته، وثبتت إمامته، واشتهرت عدالته؛ فإنه لا يُقبل فيه جرحُ أحد كائناً من كان"، وهذه القاعدة بحاجة إلى اختبار في ميدان التطبيق؛ إذ أغلب تلك الصفات نسبية قد يختلف فيها.

1

2

3

4

الذهبي، الرواة الثقات المتكلم فيهم بما لا يوجب ردهم، مرج سابق، ص م ن، ص 30 - 31؛ وينظر هناك أمثلة أخرى.

29

محمد الذهبي، ميزان الاعتدال في نقد الرجال، تح: علي البجاوي، ط 1، دار المعرفة، بيروت، 1963 م، 111/ 1. الدكتور أيمن مهدي محمود أستاذ الحديث وعلومه المساعد، ورئيس قسم الحديث بكلية أصول الدين بطنطا-مصر. 5 أيمن محمود مهدي كلام الأقران بعضهم في بعض أسبابه ونتائجه، ط 1، د ن، مصر، 2006 م، ص 96؛ وينظر أمثلته في ثنايا بحثه. أيمن محمود مهدي كلام الأقران بعضهم في بعض أسبابه ونتائجه، مرجع سابق، ص 96.

6

119