الضوابط العلمية لعرض الحديث الصحيح على القرآن
الجزء ١ · صفحة ١٣٩وإذا كان هذا الأمر على مستوى المدرسة الواحدة؛ فكيف يكون مع من يُطلق عليه أهل البدع والأهواء!، فلا شك أن الأمر سيكون أشدّ، ولذلك نجد تباينا بين المدارس في أسماء الرجال العدول والمجروحين؛ إذ كل مدرسة مستقلة برجالها العدول لديها دون غيرها، وبناءً عليه تختلف مصادر الحديث المعتمدة لدى كل مدرسة عن
غيرها.
ومن أسباب ذلك أيضا العزلة السياسية التي كانت بين المذاهب في الغالب، بحيث لا يتمكن الحفاظ في مدرسة من معرفة الرواة وأحوالهم في المدارس الأخرى فلا يرؤون عنهم إلا نادرا ومما يدل على ذلك: قول محمد بن سيرين (ت 110 هـ): "لم يكونوا يسألون عن الإسناد، فلما وقعت الفتنة قالوا سموا لنا رجالكم، فيُنظر إلى أهل السنة فيؤخذ حديثهم، وينظر إلى أهل البدع فلا يُؤخذ حديثهم، فصرّح بوضوح بأن معيار قبول الحديث بعد وقوع الفتنة أصبح له علاقة وثيقة بالانتماء المذهبي العقدي، وهذا في وقت مبكر منذ بداية القرن الثاني الهجري؛ أي قبل تمام عملية التدوين الرسمي.
وقريب من ذلك قول الشافعي (204 هـ): "وكذلك نحن لا نقبل خبر من جهلناه، وكذلك لا نقبل خبر من لم نعرفه بالصدق وعمل الخير، فإذا كان هذا المعيار معتبرا في التعديل والتجريح؛ فكل مدرسة يمكن أن تعلل عدم أخذها بروايات المدارس الأخرى من هذا المنطلق؛ إذ كل مدرسة تثق برواتها العدول لمعرفتها بسيرتهم، بينما لا تثق برواة المدارس الأخرى لكونهم في الغالب مبتدعة أو مجهولين بالنسبة إليها.
وقد ذكر أحمد صنوبر (معاصر) خمسة رواة أخرج لهم البخاري في صحيحه، على تفاوت في عدد الأحاديث لكن الجامع بينهم هو التشيّع والغلو فيه أحيانا، وبعضهم من شيوخه فهو أدرى بهم، ومع ذلك قبلهم الإمام البخاري، وذكرهم في صحيحه وأخرج لهم، فصار متحتما علينا أن نقول: إن مدار قبول الراوي عند البخاري لا يتعلّق به المذهب والاعتقاد، وإلا لو كان في نفسه شيء تجاه أهل البيت لأعرض عن هؤلاء المغالين على الأقل"،، وهذا أمر مشكور ومثمّن لدى البخاري؛ لكنّ الأمثلة المعدودة التي ذكرها أحمد صنوبر لا تكفي للتعميم عن منهجه؛ لأنّ القاعدة تُبنى على الاستقراء، لا على مجرّد أمثلة.
وذكر ابن الشيخ أن: "كلّ مذهب وضع أصوله وقواعده في الأخذ والترك، ومقاييسه للتعديل والتزكية أو
1.
القدح والتجريح؛ مراعين في كثير من الأحيان التوافق والتخالف المذهبي"، فبين منتقدا أن المعيار المذهبي في
التعديل والتجريح كان معتبرا في الغالب لدى مختلف المدارس.
1
2
3
نقله: مسلم بن الحجاج صحيح مسلم (المقدمة)، مرجع سابق، ص 8.
ن أحمد صنوبر،
محمد بن إدريس الشافعي، اختلاف الحديث (ملحق بالأم للشافعي، ج 8)، دط، دار المعرفة، بيروت، 1990 م، ص 591. أسباب عدول الإمام البخاري عن التخريج للإمام جعفر الصادق في حديثه، بحوث مؤتمر الانتصار للصحيحين،
سابق،
ص 506.
4
معاصر من الإباضية، مختص في علم الحديث، أستاذ الشريعة والفلسفة بمعهد الحياة بالقرارة ولاية غرداية-الجزائر.
120