الضوابط العلمية لعرض الحديث الصحيح على القرآن (المنهج والتطبيق) محمد بن قاسم شقبقب

الضوابط العلمية لعرض الحديث الصحيح على القرآن

الجزء ١ · صفحة ١٤٠

وعليه يرى أبو سليمان أن كثيراً من النصوص يصعب معرفة حقيقة رجالها الذين لم يرهم أصحاب كتب الحديث ولم يعاصروهم ممن سبقوا عصرهم من رجال أسانيدهم، وما عُرفوا لديهم إلا بما يسمعون عنهم، في عصور عمتها الأهواء والفرق والحروب والفتن، واستخدم الدين أداةً في الصراعات، ولذا يبقى التعديل والتجريح

أمرا اجتهاديا نسبيا، يتعلق بمعرفة الرواة ظاهريا ودرجة الوثوق بهم، ولا يدلّ على حقيقتهم في نفس الأمر. ونحن هنا لا ننتقص شيئا من شأن علم الجرح والتعديل، فهو علم قائم بذاته، وله دور كبير في نقد المرويات وفحصها وطرح الموضوع منها والضعيف؛ وإنما ندعو إلى أن تُستأنف الجهود في تمحيص ما عُدّ من الصحاح في الحديث بمقياس العرض على القرآن؛ لأننا لا نجد شيئا من دراسة الرواة وجرحهم وتعديلهم بالنسبة لحملة القرآن فقد بلغنا بالتواتر جيلاً عن جيل، فأغنى ذلك عن الجرح والتعديل.

الكريم،

(7) التصحيح والتضعيف.

يقوم الحكم على الحديث عند المحدثين على اختبار مدى تحقق شروط الصحة فيه، وذلك يتمثل في: البحث عن مواضع ورود الحديث وجمع أسانيده وتمييز مواطن التقاء الطرق ومواطن افتراقها، ثم تحديد السند الذي دار عليه الحديث وتمييزه؛ ثم دراسة إسناد الحديث دراسة مفصلة، من حيث عدالة الرواة واتصالهم وضبطهم، ثم الانتقال إلى دراسة المتن بمقارنته مع الأحاديث الأخرى، والتأكد من سلامة السند والمتن من الشذوذ والمعارضة، وخلوهما من سائر العلل الخفية؛ فنلاحظ أن هذه الخطوات كلّها عمليات عقلية تقوم على البحث والنظر والملاحظة، والاستقراء، والتتبع والجمع والمقارنة والتمييز والتحليل والاستنتاج ونحو ذلك. ومن ثم؛ فالحكم على الأحاديث أمر اجتهادي ظنّي، كما قال ابن الصلاح (ت 643 هـ): "ومتى قالوا: هذا فَمعناه أَنَّهُ اتَّصل سنده مع سائر الأوصاف المذكورة، وليسَ مِن شَرطه أن يكون مقطوعاً به في

حديث صحيح،

311

6

نفس الأمر؛ إذ منه ما ينفرد بروايته عدد واحد، فبيّن أن الحكم بالصحة ليس قطعيا في بالضرورة؛ لكونه من

رواية الآحاد.

وأكد هذا الحافظ العراقي (ت 806 هـ) في ألفية الحديث فقال:

وبالصحيح والضعيف قصدوا

في ظاهر، لا القطع والمعتمد؛

وشرحه بقوله: "حيث قال أهل الحديث هذا حديث صحيح؛ فمرادهم فيما ظهر لنا، عملا بظاهر الإسناد، لا أنه مقطوع بصحته في نفس الأمر؛ لجواز الخطأ والنسيان على الثقة، هذا هو الصحيح الذي عليه

1

ابن الشيخ، القرآن تفسيره ومفسّروه - السنة روايتها ورواتها عند الإباضية دط المطبعة العربية غرداية - الجزائر، 1984 م، ص 71. عبد الحميد أبو سليمان، حوارات منهجية في قضايا نقد متن الحديث الشريف"، مجلة إسلامية المعرفة، ع 39، مرجع سابق، ص 242. الصلاح، علوم الحديث، مرجع سابق، ص 21.

2

3

4

عبد الرحيم بن الحسين العراقي شرح ألفية العراقي (التبصرة والتذكرة)، دط، دار الكتب العلمية، بيروت، دت، ص 15.

ابن

121