الضوابط العلمية لعرض الحديث الصحيح على القرآن (المنهج والتطبيق) محمد بن قاسم شقبقب

الضوابط العلمية لعرض الحديث الصحيح على القرآن

الجزء ١ · صفحة ١٤١

أكثر أهل العلم، فالحكم على الحديث بالصحة أو الضعف إنما يُراد به الظاهر، وليس الحقيقة الفعلية؛ وقد وقع بين معنى الصحيح اصطلاحًا ومعناه لغةً، فظنّوا أن كل صحيح قطعي، وهو غير

لدى كثير من من الناس صائب، فالصحيح في مدلوله الاصطلاحي يعني تحقق شروط الصحة بحسب الظاهر، ولا يعني تحقق الصحة قطعا في نفس الأمر.

وإذا كان الأمر اجتهاديا؛ فالاجتهاد مظنّة، الاختلاف، ومثل الباجي (ت 474 هـ) لذلك بقوله: "وقد أخرج البخاري أحاديث اعتقد صحتها، تركها مسلمٌ لما اعتقد فيها غير ذلك، وأخرج مسلم أحاديث اعتقد صحتها، تركها البخاري لما اعتقد فيها غير معتقده، وهو يدلّ على أن الأمر طريقه الاجتهاد ممن كان من أهل العلم بهذا

الشأن، فالحكم على الحديث عمل اجتهادي؛ يختلف فيه العلماء كما اختلفوا في الاجتهاد الفقهي. ويوضح ابن الجوزي (ت 597 هـ) صعوبة الحكم على الحديث بقوله: "واعلم أنه قد يجيء في كتابنا هذا من الأحاديث ما لا يُشكّ في وضعه غير أنه لا يتعيّن لنا الواضع من الرواة، وقد يتفق رجال الحديث كلهم ثقات، والحديث موضوع أو مقلوب أو مدلّس، وهذا من أشكل الأمور؛ فقد يكون الحديث موضوعا لكن لا يتعيّن الواضع، وقد تكون سلسلة الإسناد كلها جيدة، لكن الحديث فيه وضع أو قلب أو تدليس؛ لذا فلا يُقطع بحكم

الصحة الظاهرية.

31

وأكد ابن تيمية (ت 728 هـ) اجتهادية المسألة فقال: "الحديث الذي يُروى في الصحيح، ويُنازع فيه بعض العلماء، وأنه قد يكون الراجح تارة وتارة، المرجوح ومثل هذا من موارد الاجتهاد في تصحيح الحديث كموارد الاجتهاد في الأحكام"، فكما يجتهد في الأحكام ويُختلف فيها، فكذا الأمر في التصحيح والتضعيف للأحاديث. ومن الدلائل على ظنّية الحكم على الحديث تفاوت مراتب الصحيح لتفاوتِ درجة تحقق شروطه بين الأحاديث؛ قال ابن حجر: "وتتفاوت رتبه؛ أي الصحيح بسبب تفاوت هذه الأوصاف المقتضية للتصحيح في القوة؛ فإنها لما كانت مفيدة لغلبة الظنّ الذي عليه مدار الصحة اقتضت أن يكون لها درجات بعضها فوق بعض بحسب الأمور المقوّية، وإذا كان كذلك فما يكون رواته في الدرجة العليا من العدالة والضبط وسائر الصفات التي توجب الترجيح له؛ كان أصح مما دونه، والمفترض أن الحديث إما ثابت عن النبي وإما غير ثابت عنه، لكن التفاوت في درجات الصحة دليل على وجود النسبية في تقدير الأمر؛ لذا ليس كل حديث صحيح يُقطع بحتمية

5

ثبوته.

1

العراقي، شرح

سابق، ص 15. الألفية، مرجع

سليمان بن

خلف الباجي، التعديل والتجريح لمن خرج عنه البخاري في الجامع الصحيح، ط 1، دار اللواء، الرياض، 1986 م، 310/ 1. ابن الجوزي الموضوعات تح: عبد الرحمن عثمان، ط 1، المكتبة السلفية المدينة المنورة، 1966 م، 106/ 1.

2

3

4

5

ابن تيمية، مجموع الفتاوى، مرجع سابق، 22/ 18.

ابن

حجر

العسقلاني، نزهة النظر في توضيح نخبة الفكر في مصطلح أهل الأثر، تح: عبد الله الرحيلي، ط 1، دن، الرياض، 2001 م، ص 71.

122