الضوابط العلمية لعرض الحديث الصحيح على القرآن
الجزء ١ · صفحة ١٤٢1
ويذكر عدنان الخضر أن هناك نقاط اختلاف عديدة بين المحدثين والفقهاء أو بين أهل الرأي وأهل الحديث – إضافة إلى نقاط الاتفاق - خاصة في القواعد التي انطلق منها كل فريق، وفي تطبيقها في نقد الحديث سندا ومتنا، فأدى هذا الخلاف بدوره إلى الخلاف في نتائج الحكم على الحديث من حيث الردُّ والقبول، كما أنّ هناك اختلافا بين المتقدمين والمتأخرين من المحدثين، ليس على مستوى قواعد نقد الحديث، وإنما على مستوى تطبيقها ومدى الالتزام بها شدّة واعتدالا وتساهلا، فأشار في دراسته إلى وجود تباين في المنهج والتطبيق في نقد الحديث تبعا لاختلاف مناهج العلماء؛ وإذا كان هذا الاختلاف موجود في إطار المدرسة الواحدة؛ فوجوده بين المدارس الإسلامية سيكون بطبيعة الحال أوسع وأشدّ.
عن منهج اجتهادي
أما تحديد نسبة المتنازع في شأنه بالنسبة إلى المتفق فيه من الأحاديث ومضامينها -سواء على مستوى المدرسة الواحدة أو على مستوى مختلف المدارس - يحتاج إلى دراسة استقرائية مستقلة. ويمكن لنا أن نتساءل: إذا كان تصحيح أحاديث الصحاح لدى مختلف المدارس ناتجاً بشري، قائم على مقاييس نسبية اجتهادية؛ أفلا ينبغي عرض هذه الأحاديث على القرآن الكريم للعمل أكثر على تمحيصها وتنقيتها من العلل الخفية في متنها، والتي قد تخفى عن الحفاظ؟؛ حيث قال محمد الغماري: "فكم من حديث صححه الحفاظ وهو باطل بالنظر إلى معناه ومعارضته للقرآن أو السنة الصحيحة أو مخالفة الواقع والتاريخ؛ وذلك لدخول الوهم والغلط فيه على المعروف بالعدالة، فبيّن أن هناك عِللا خفيّة في المتون، لا يمكن إدراكها إلا بالعرض على الكتاب والسنة الصحيحة والواقع والتاريخ.
وإذا قارنا بين القرآن والحديث؛ فإننا لا نجد في القرآن الكريم آيةً يُحكم عليها بالصحة وأخرى بالضعف، بل جميعه يصدق عليه أعلى درجاتِ الصحة والقطع؛ لتواثره اللفظي؛ بينما الحديث، ففيه الصحيح وففيه الضعيف، وفيه المقبول وفيه المردود، ومناهج الحكم هذه بشرية، فلا تخلو من النقص والاختلاف والتأثر بالهوى والمؤثرات المذهبية، ومن هنا وجب اتخاذ القرآن الكريم حكماً مهيمنا على ما سواه، وأساساً لنقده وتمحيص ما حواه.
2
1
عدنان علي الخضر: باحث في الحديث النبوي وعلومه، نال شهادة الماجيستير من كلية الشريعة في جامعة دمشق، سنة 2008 م. عدنان علي الخضر، الموازنة بين منهج الحنفية ومنهج المحدثين في قبول الأحاديث وردّها، ط 1، دار النوادر، دمشق، 2010 م، ص 529 - 530؛ وينظر النماذج التطبيقية في ثنايا دراسته.
3
محمد بن الصديق بن أحمد الغماري الإدريسي الحسني: مدرّس اللغة والفقه والحديث بالمغرب، شديد الحرص على تطبيق السنة وترك البدعة، قوي في المناظرة، توفّي سنة 1354 هـ؛ ينظر: أحمد بن الصديق الغماري، التصوّر والتصديق بأخبار الشيخ سيدي محمد بن الصديق، دط، مكتبة الخانجي، مصر، 1366 هـ، ص 22، 45، 66.
4
محمد
بن
الصديق الغماري، المغير على الأحاديث الموضوعة في الجامع الصغير، دط، دار الرائد العربي، بيروت، 1982 م، ص 137 - 138.
123