الضوابط العلمية لعرض الحديث الصحيح على القرآن
الجزء ١ · صفحة ١٤٤مثله، أو ما يخالفه ما هو أثبت منه وأكثر دلالات بالصدق منه، فنص على أن المعيار الأساسي في الحكم على الحديث يتوقف في الأغلب على صفة الراوي وأحواله.
ابن حجر العسقلاني (ت 852 هـ)؛ بيّن أن الحديث المقبول (أي الصحيح والحسن) لا يلزم العمل به بالضرورة، حيث قال: "ثم المقبول أيضاً ينقسم أيضاً إلى معمول به وغير معمول به 2، ثم بيّن أن سبب عدم العمل به هو معارضة غيره، ويُرجع في ذلك إلى قواعد التعارض والترجيح، بمعنى أن النظر الفقهي (عمل الفقهاء) يأتي بعد النظر الحديثي (عمل المحدثين)، وذلك لعدم استيفاء نقده من جانب المتن، فيُحكم بعد ذلك على الحديث المقبول
بالعمل أو عدم العمل.
الطاهر الجزائري (ت 1338 هـ) قال: "قد تعرّض كثير من أئمة الحديث للنقد من جهة المتن، إلا أن ذلك
411
النقد من جهة الإسناد، فلاحظ أنّ جهود علماء الحديث في جانب المتن من
قليل جدا بالنسبة لما تعرّضوا له ضئيلة مقارنةً مع جهودهم في جانب السند.
عبد الجبار سعيد (معاصر) أكّد هذه النتيجة بقوله: "لا مجال للمقارنة بين حجم الدراسات المهتمة بالسند ونقده، والدراسات المهتمة بالمتن ونقده؛ فالغريب في الأمر أن التركيز كبير جدًا عبر تاريخ علوم السنة على شروط الإسناد وما يتعلق بها من عُلوم، فكان علم رجال الحديث، وعلم الجرح والتعديل، وقواعد المصطلح في غالبها منصبةً على الإسناد ورواته .... ولعلّ محرّد المقارنة بين ما ألف في خدمة الإسناد ونقده وما ألف في نقد المتن كفيلة بإبراز وجه الخلل، فبيّن الفرق بين الجانبين بالنظر إلى حجم المؤلّفات في كُلّ منهما. ورأى أنّ مما يبرّر لذلك في عهد الرواية والتدوين هو أنّ تلك المرحلة كانت تزخر بالفتن والفرق والأهواء، وكان من أشدّ المخاطر التي تهدد السنة والحديث: محاولة توظيفهما، مذهبياً أو فكرياً أو سياسياً، لصالح فئة أو فرقة دون أخرى، وهذه الأجواء تتجلّى فيها محاولات الكذب والتشويه للرجال والرواة وما يروونه، فكان لا بد من الانصراف وتركيز الجهد نحو هؤلاء الرواة والرجال؛ فاعتبر أنّ طبيعة هاته المرحلة التاريخية وأحداثها السياسية اقتضت التوجّه إلى العناية المركزة بالسند على حساب المتن.
مسفر الدميني (معاصر) قال: "قد تنبه المحدّثون إلى أهمية تلك المقاييس [أي مقاييس نقد المتن] واستعملوها في مواضع كثيرة؛ لكن ذلك لم يصل بهم إلى مرحلة إفراد تلك النتائج بكتب مستقلة، كإفرادهم لكتب العلل في
الشافعي، الرسالة، مرجع سابق، ص 209.
حجر العسقلاني، نزهة النظر في توضيح نخبة الفكر في مصطلح أهل الأثر، مرجع سابق، ص 91.
ابن
يُنظر: م ن، ص 91 - 97.
1
2
3
4
5
6
الطاهر الجزائري، توجيه النظر إلى أصول علم الأثر، مرجع سابق، 743/ 2.
عبد الجبار سعيد، "منهجية التعامل مع السنة، مجلة إسلامية المعرفة، ع 18، مرجع سابق، ص 61، 71 - 72. عبد الجبار سعيد، الإطار المرجعي لنقد متن الحديث، مجلة إسلامية المعرفة، ع 39، مرجع سابق، 46.
125