الضوابط العلمية لعرض الحديث الصحيح على القرآن
الجزء ١ · صفحة ١٤٦بعد أجيال الاجتهاد؛ فلم يبنوا على ما كان قد تأسس، قبلهم، ولم يُضيفوا إليه، بل آثروا الراحة والسلامة وتقليد
سلف من
، فهو يثمّن ما قام به الأسلاف من جهود في نقد السند، ويحمّل الخلف مسؤولية تقصيرهم في
استكمال تلك الجهود والركون إلى التقليد.
فهذه جملة نصوص من مدرسة أهل السنة.
أما
2
من مدرسة الإمامية فيرى مهدي مهريزي أن ظاهرة نقد المتن كانت معروفة بين المسلمين -سنة وشيعة- منذ القرون الأولى؛ إلا أنه يرى وجود نقائص ما تزال موجودة، أبرزها: أن نقد المتن كان دوما أقل من
311
نقد السند، فيما المطلوب غير ذلك، وأنه لم توضع ضوابط مستوعبة دقيقة وجادّة وكافية لنقد المتن؛ ولسدّ مثل هذه الثغرات لا بدّ من تفعيل مقياس العرض على الكتاب الكريم الذي يمثل المعيار الأساسي لنقد المتن"، فهو يبرز وجود قصور وثغرات في جانب نقد المتن، ويدعو إلى استدراكها بتفعيل مقياس العرض على القرآن الكريم، الذي يُعدّ المقياس الرئيس لنقد المتون.
كما نقد هاشم معروف الحسني (ت 1983 م) "اهتمام العلماء بنقد أخبار الأحكام دون غيرها من العقديات والتاريخيات مع أنّها أولى بالنقد والتصفية؛ لكونها أهمّ منها وأكثر شمولا وأعمّ تأثيرا"، فلاحظ حصر نقد المتن في أحاديث الفقه دون أحاديث الإيمان والتاريخ، بالرغم من أهميتها وأولويتها.
ومن هنا فالحديث الصحيح قد ترد فيه مخالفة لنص القرآن؛ لأنّ المحدّث قد تخفى عليه المخالفة والعلة القادحة فيصحح الحديث، والتصحيح منهج اجتهادي بشري وليس معصوما -كما ذكرنا، والمحدثون والفقهاء قد قاموا بموازنة ضخمة بين الأحاديث بمقابلة الحديث سندا ومتنا مع غيره من الأحاديث والروايات الأخرى ليُعرف اتفاقها أو اختلافها؛ لكن بقي أن يُفعل الشيء ذاته مع القرآن الكريم؛ أي الموازنة بين الآيات والأحاديث الصحيحة؛ وبخاصة في مسائل الغيب والإيمان. 9) الشذوذ والعلة.
سبق أن ذكرنا أنّ من شروط الحديث الصحيح عدم الشذوذ والعلة القادحة، وتكمن أهمية هذين الشرطين في أنهما يختصان بجانب نقد المتن، على خلاف الشروط الإسنادية الأخرى؛ وقد عرفهما الحاكم النيسابوري (ت 405 هـ) بقوله: "المعلول ما يوقف على علته: أنه دخل حديث في حديث، أو وَهَمَ فيه راعٍ، أو أرسلَه واحدٌ فَوَصَلَهُ واهِم؛ فأما الشاذ فإنّه: حديث يتفرد به ثقة من الثقات، وليس للحديث أصل متابع لذلك
1
2
3
طه جابر العلواني، السنة النبوية ونقد المتون، مجلة إسلامية المعرفة، ع 39، مرجع سابق، ص 36. معاصر، أستاذ مساعد في الجامعة الإسلامية، الحرّة قسم العلوم والتحقيقات، طهران. مهدي مهريزي، نقد متن، مجلة علوم الحديث، إيران، دت، ع 26، ص 30؛ نقلا عن حب الله، نظرية السنة في الفكر الإمامي، مرجع سابق، ص 669. هاشم معروف الحسني، دراسات في الحديث والمحدثين، مرجع سابق، 56 - 57، وينظر له أيضا: الموضوعات في الآثار والأخبار، دط، دار التعارف، لبنان، 1987 م، ص 87.
4
127