الضوابط العلمية لعرض الحديث الصحيح على القرآن
الجزء ١ · صفحة ١٤٨والسؤال المطروح في هذا الصدد: هل قعد علماء الحديث - إضافة إلى جمع الطرق والأحاديث- قاعدةً توجب جمع النصوص القرآنية ذات الصلة بموضوع الحديث؛ للبحث عن درجة الموافقة أو المخالفة بينهما، ثم الحكم على الحديث بناءً على ذلك؛ كما فعلوا في الجمع بين الأحاديث ومحاكمة بعضها إلى بعض؟. بين أبو بكر كافي موقف المحدّثين من هذا المقياس قائلا: "لم يأخذ الكثير من المحدثين في نقدهم للسنة بمبدأ محاكمتها إلى القرآن الكريم، وهاجموا هذا المبدأ، ومنعوا أن يكون هناك حديث صحيح يخالف القرآن"2، أقول: يُستغرب أن يُمنع هذا المقياس بحجة أن الحديث الصحيح لا يخالف القرآن؛ فالحكم بالصحة على الحديث ونفي المخالفة عنه لا يكون إلا بعد عرضه ومحاكمته إلى القرآن الكريم، وليس قبل ذلك. ونتساءل: لماذا يُقبل عرضُ الحديث على رواية الثقات ولا يُقبَل عرضُها على القرآن الكريم؟؛ أوليس القرآن
الكريم أوثق وأولى بأن يُعرَض عليه الحديث من رواية الثقات؟!.
وقد تنبه العديد من العلماء المعاصرين من مختلف المدارس إلى هذا الاستشكال، ومنهم:
-محمد رشيد رضا (ت 1354 هـ)؛ قال: "إذا كان من علل الحديث المانعة من وصفه بالصحة: مخالفة راويه لغيره من الثقات؛ فمخالفة القطعي من القرآن المتواتر أولى بسلب وصف الصحة عنه"، فبين أن مخالفة قطعي القرآن أقوى مؤشّر على أنّ الحديث فاقد لأحد شروط الصحة، وهو السلامة من العلة.
عبد الحميد أبو سليمان؛ انتقد استبعاد هذا المقياس قائلاً: "وقد بلغ ضعفُ ملكة التدبّر والنقد حدَّ إهمال قياس صحة الأحاديث بمقياس القرآن الكريم الذي هو الكلمة الجامعة المقدّسة المحكمة الحاكمة والبينة المتواترة، ما فَرَّطْنَا فِي الْكِتَبِ مِن شَيءٍ [سورة الأنعام: 38]، كتَبٌ أُحْكِمَتْ دَايَتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ من لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِير [سورة هود: 1]، ﴿وَلَقَدْ جِئْنَهُم بِكِتَبٍ فَصَّلْنَهُ عَلَى عِلْمٍ هُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [سورة الأعراف: 52]، ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً﴾ [سورة النحل: 89]، فاعتبر إهمال هذا المقياس دليلاً على ضعف ملكة نقد الحديث والتدبّر في القرآن؛ لأنّ آياته تدعو إلى تعظيم كلام الله، واتخاذه مصدراً للهداية والتبيان. فهد شايم-من الزيدية؛ قال عن قاعدة العرض: "وقد غفل عن هذه القاعدة العلمية الهامة المحدثون، بالرغم أننا لو رجعنا إلى شروطهم في الحديث الصحيح نجدها خمسة، ومنها: أن لا يكون الحديث شاذا أو معلولاً، وقد
2
أبو بكر كافي، معاصر، من بلدة "تقرت" بالجزائر، حصل على الماجستير والدكتوراه في الحديث وعلومه، من جامعة الأمير عبد القادر للعلوم الإسلامية بقسنطينة-الجزائر، 1998 م، وهو أستاذ بالجامعة نفسها. http://shamela.ws، 2018/11/17 م. أبو بكر كافي، 'مدى اعتماد المحدثين على القرآن في نقدهم للسنة مجلة جامعة الأمير عبد القادر، قسنطينة، دت، مج 17، ع 2، ص 26؛ وسنتناول المزيد من بيان موقف المحدّثين من مسألة العرض عند تناول تاريخ فكرة العرض عند المحدثين، في الفصل الثاني. محمد رشيد رضا، تفسير المنار، مرجع سابق، 71/ 1. عبد الحميد أبو سليمان، حوارات منهجية في قضايا نقد متن الحديث الشريف"، مجلة إسلامية المعرفة، مرجع سابق، ص 5 الأفصح: "المهمة" بدل "الهامة".
3
4
243 - 242
129