الضوابط العلمية لعرض الحديث الصحيح على القرآن
الجزء ١ · صفحة ١٤٩عرَّف الحفاظ الشاذ بأنه: "مارواه الثقة مخالفاً به الثقات؛ فإذا روى الثقة حديثاً مخالفاً به الثقات عُدَّ حديثه مقدوحاً فيه على قاعدتهم هذه؛ فما بالك إذا خالف الثقةُ القرآن المقطوع بصحته؟ هل يعتبر حديثه مقدوحاً فيه أم لا؟! نعم ولا شكّ في ذلك، بل لا يُقبل بالمرّة، ويُردُّ بلا تردُّد أو وَجَل، فما خالف القرآن رُدّ مهما كان وممن كان"؛ فبيّن أن مخالفة القرآن أولى بوصف الشذوذ من مخالفة الثقات، منتها على أن المحدثين غفلوا عن هذه
القاعدة الجوهرية.
أحمد الخليلي من الإباضية؛ رأى أن قواعد التحديث عند المحدثين لا تتعارض بحال مع دلائل حديث العرض، بل هي متفقة معه، فإنّهم "اشترطوا في صحة الحديث خلوّه عن الشذوذ والعلة، ولا يخفى على ذي نهية أن أشدّ الشذوذ مخالفة القرآن وإلا فكيف يعدُّ شاذا ما رواه الثقة مخالفاً لما رواه غيره من الثقات، أو ما رواه من هو أوثق منه، ولا يعد شاذًا ما خالف القرآن الذي لا مجال للشكّ في أيّ حرفٍ من حروفه، فضلاً عن كلماته وجمله وآياته، فاعتبر أنّ العرضَ على القرآن أولى من العرض على رواية الثقات، كما أن الحكم بالشذوذ بسبب مخالفة القرآن أولى من كونه بسبب مخالفة رواية الثقات.
واكتشاف المحدّث للشذوذ أو العلة عمل اجتهادي بشري، فقد تخفى عنه بعضها، ومن ثم ينبغي
الاستكمال في تمحيص الصحاح وتخليصها من الشذوذ والعلل، وذلك بعرضها على القرآن الكريم. ومادام المحدثون لم يأخذوا بهذا المنهج كمقياس ثابت في تصحيح الأحاديث وإعلالها؛ فقد تركوا مجالا رحبا للاحقين للاستدراك ومواصلة الجهود الحثيثة في تنقية الحديث النبوي، بعد تثمين مجهودات السابقين والبناء عليها؛ فكم ترك الأوائل للأواخر!، في حين أن القرآن الكريم لا نجد في أي آية منه شذوذا أو علة، بل كل آياته متواترة محفوظة في الصدور وفي السطور، وبهذا كان جديرا بالحاكمية والهيمنة على ما سواه.
10) عدم التناقض في الوحي الإلهي
القرآن الكريم كتاب معروفُ العين؛ حيث يصدق على مضمون المصحف الذي بين أيدينا حصراً؛ بينما بخصوص الحديث فليس هناك دليل قطعي مجمع عليه بين الأمة ينص على أنّ الحديث الصحيح هو الموجود في كتاب كذا باسمه أو صحيح كذا بعينه؛ فالقرآن الكريم كله مجموع في مصحف واحد، يعصمه من الزيادة أو النقصان أو اختلاف النسخ أو ضياع بعضها وغير ذلك من آفات الدهر، بينما لا يوجد كتاب جامع للحديث النبوي الصحيح؛ بحيث يستوعبه جميعا، وإنما نجده متفرّق بين كتب عدة، من مدارس شتّى، ويمتزج فيها الصحيح
بما دونه.
1
2
فهد بن حسن شايم، الحديث النبوي وكتبه لدى الزيدية، مجلة طالب العلم، اليمن، 1434 هـ، ع 7، ص 11. أحمد الخليلي، برهان الحق -دراسة معمقة في تأصيل العقيدة الإسلامية، مرجع سابق، ص 30 - 31.
3 كما سنراه في الفصل الثاني في تاريخ العرض عند المحدثين.
130