الضوابط العلمية لعرض الحديث الصحيح على القرآن
الجزء ١ · صفحة ١٥٠ومن بين أهداف عرض الحديث على القرآن الكريم: الكشفُ عن أوجه التوافق أو التعارض بين القرآن
والحديث، فيتم قبول الحديث الموافق لكتاب الله، وردّ الحديث المناقض له؛ إذ من البدهيات العقلية استحالة
اجتماع النقيضين؛ فلا يصح أن يكون الشيء ونقيضه حقا وصدقاً في آن واحد؛ فإما أن يكون أحدهما حقا والآخر باطلا، أو كلاهما باطلان، ولما كان القرآن الكريم حقا بالقطع والجزم؛ ففي حال التعارض
من
عند
الله
الحقيقي مع الحديث الآحاد وتعدّر التأويل نحن بإزاء أمرين: إما أن نترك النص القرآني ونتبع خبر الواحد، وإما أن نترك خبر الواحد ونأخذ بالنص القرآني؛ ولا شكّ أن الأخذ بالقرآن الذي هو قطعي الثبوت أولى وأجدر من الأخذ بالحديث الآحاد الظني ثبوتا، وهذا في حال تساويهما من حيث الدلالة.
ونقصد بالتناقض التعارض من كل وجه؛ كما قال أبو حامد الغزالي (ت 505 هـ): "معنى التعارض التناقض، فإن وقع في الخبر أوجب كون واحد منهما كذبا، ولذلك لا يجوز التعارض في الأخبار من الله تعالى، ورسوله"، فهما مشتركان في هذا المعنى.
والتأمل في انتظام قوانين الكون ودقة صنع الله ونظامه البديع يقود حتما إلى الاعتقاد بانتظام أجزاء الوحي الإلهي وانسجامها ودقتها؛ لأن خالق الكون هو نفسه منزّل الوحي، والله تعالى يأمر في صيغة التحدّي- بتكرار النظر والتأمل في الكون لعل الناظر فيه يجد شيئا من خلل أو اضطراب، حيث قال: مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ. ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ} [سورة الملك: 3 - 4]، ويأمر سبحانه بالنوع ذاته من التحدّي بتكرار النظر والتفكر في كتاب الله؛ لعلّ المتدبّر يجد اختلافا أو تناقضاً بين أجزائه، فقال سبحانه: {أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا [سورة النساء: 82].
والبحث والتنقيب عن الدليل المعارض عمل مقاصدي مطلوب كما بين الطاهر بن عاشور (ت 1393 هـ)، حيث قال - في سياق بيانه لاجتهاد الفقيه واحتياجه إلى معرفة مقاصد الشريعة -: "النحو الثاني: البحث عمّا يعارض الأدلة التي لاحت للمجتهد، والتي استكمل إعمال نظره في استفادة مدلولاتها ليستيقن أنّ تلك الأدلة سالمة مما يُبطل دلالتها، ويقضي عليها بالإلغاء والتنقيح، فإذا استيقن أنّ الدليل سالم عن المعارض أعمله، وإذا ألفى له معارضاً نظر في كيفية العمل بالدليلين معًا، أو رجحان أحدهما على الآخر فالبحث عن المعارض ليس
الغرض
3
منه التشكيك لذاته؛ وإنما لأجل التأكد من سلامة الدليل من الإبطال.
6
الدميني،
مقاييس نقد متون السنة،
مرجع
ص 301. سابق، ص.
محمد بن
1
2
3
محمد أبو حامد الغزالي المستصفى، تح: محمد عبد الشافي، ط 1، دار الكتب العلمية، بيروت، 1993 م، ص 279. قال ابن عاشور: أردت بالإلغاء النسخ أو الترجيح لأحد الدليلين أو ظهور فساد الاجتهاد، وبالتنقيح نحو التخصيص والتقييد"؛ محمد الطاهر ابن عاشور، مقاصد الشريعة، تح محمد الحبيب ابن الخوجة دط، وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، قطر، 2004 م، 40/ 3.
4 م ن، ص ن.
131