الضوابط العلمية لعرض الحديث الصحيح على القرآن
الجزء ١ · صفحة ١٥١وبيّن أن حاجة المجتهدِ إلى هذا الأمر أشدُّ من غيره، حيث قال: "واحتياجه إليه في النحو الثاني أشدّ؛ لأنّ
باعث اهتدائه إلى البحث عن المعارض ثم إلى التنقيب على ذلك المعارض في مظانّه يقوى ويضعف بمقدار ما ينقدح في نفسه وقت النظر في الدليل الذي بين يديه من أنّ ذلك الدليل غيرُ مناسب لأن يكون مقصوداً للشارع على علاته؛ فبمقدار تشككه في أن يكون ذلك الدليل كافياً لإثبات حكم الشرع فيما هو بصدده، يشتدّ تنقيبه على المعارض، وبمقدار ذلك التشكك يحصل له الاقتناع بانتهاء بحثه عن المعارض عند عدم العثور عليه""، فبين أنّ من وظيفة المجتهد البحث عن المعارض، وأن هذا التشكك والبحث عن المعارض إنما غايته زيادة اليقين الذي يحصل للمجتهد عند عدم عُثوره على المعارض.
صريح
القرآن.
ويبين عبد الله الجديع عدم صحة التسوية بين القرآن والحديث عند الموازنة بينهما، وبخاصة عند التعارض، فقال: "اعلم أنه يُخطئ على هذا العلم من أقام المعارضة بين القرآن والحديث يزعم صحته؛ فالمفارقة بين طريقي نقلهما كافية للقضاء أن لا يوجد حديث يقوم المعارضة القرآن؛ لذا ما يمكن تصوّرُ وجوده من ذلك إن كان ظاهره الصحة نقلاً؛ فلا يخلو من أحد حالين الأول؛ أن تكون المعارضة بينه وبين القرآن لا تعدو أن تكون غلطاً من مدَّعيها، لا غلَطاً في نفس الأمر، وهذا يكون تارة وهماً وتارة هوى والثاني؛ أن تكون معارضةً حقيقية، وعندئذٍ لا يسلَمُ الإسناد من عِلَّة خفيّة، فعند تصوّر المعارضة؛ إما أن تكون معارضة ظاهرية متوهمة، وإما أن تكون حقيقية، ففي الحالة الثانية لا يكون الحديث صحيحا؛ لأنه يشتمل على علةٍ في متنه، وهي مخالفة ومثل عرض الرواية الصحيحة على القرآن كمثَل صحابي بلغه حديثان مختلفان، أحدهما سمعه من مباشرة، والآخر سمعه عنه بواسطة، فلا شكّ أنه يجب عليه أن يعرض الرواية المنقولة بالواسطة على الرواية التي سمعها عن النبي مباشرة؛ لأنّ هذه الأخيرة هي الأقوى والأقرب والأعلى سندا، فيرجحها ويأخذ بها؛ فكذلك العرض على القرآن، فطريقة ثبوته بالتواتر اللفظي تجعلنا كأننا سمعناه من في النبي المباشرة، ثم إذا جاءتنا رواية صحيحة عنه بطرق رُواة ثقات في سلسلة إسنادية مشكلة من 3 إلى 12 من الرواة؛ أليس مما يقتضيه تحرسي الصواب وتوخى الحق والعقل السليم أن تُعرَض على القرآن المتواتر وتُمحص في ضوئه؟!.
النبي
هو
ويعتبر القرآن الكريم الكتاب الوحيد الذي تتفق عليه الأمة الإسلامية كلُّها جمعاء، وهذا أكبر دليل على سلامته من الدس والتحريف أو ضياع شيء منه بالسهو والنسيان على خلاف الحديث الذي يُختلف في مصادره بين المدارس الإسلامية؛ فالذي يُعتبر مصدراً عند مدرسة لا يُعتبر كذلك عند أخرى؛ وما دام القرآن الكريم الكتاب الوحيد الذي اتفق على ثبوته جملة وتفصيلا بأنه من الله وعمل؛ فسيكون لزاماً أن يتخذ دستوراً يُرجع ويُحتكم إليه؛ إذ المعروف عند العقلاء أنّ الاحتكام لا يكون إلا إلى المتفق عليه.
132
عاشور، مقاصد الشريعة، مرجع سابق، ص 44/ 3. عبد الله الجديع، تحرير علوم الحديث، مرجع سابق، 698/ 2.
ابن
1
2