الضوابط العلمية لعرض الحديث الصحيح على القرآن (المنهج والتطبيق) محمد بن قاسم شقبقب

الضوابط العلمية لعرض الحديث الصحيح على القرآن

الجزء ١ · صفحة ١٥٤

خبر

المؤمن

كان خبره لا يفيد العلم لأمر بالتثبت حتى يحصل العلم، فاستدل بهذه الآية على عدم التثبت من العدل، وهذا استدلال بمفهوم المخالفة، وهو غير مسلَّمٌ به دوماً، إذ لا ينفى التثبت حتى من خبر المؤمن إذا دعت الحاجة إلى ذلك، كحصول لبس أو نحوه. 3 - إنّ المسلمين "لما أخبرهم الواحد -وهم بقباء في صلاة الصبح أنّ القبلة قد حولت إلى الكعبة قبلوا خبره وتركوا الحجة التي كانوا عليها واستداروا إلى القبلة ولم ينكر عليهم رسول الله، بل شكروا على ذلك، وكانوا على أمر مقطوع به من القبلة الأولى، فلولا حصول العلم لهم بخبر الواحد لم يتركوا المقطوع به المعلوم لخبر لا يفيد العلم"؛ ويستشكل عليه بأن خبر تحوّلهم بمجرد سماعهم خبر الواحد خلال الصلاة هو في ذاته آحاد؛ فكيف يستند إليه للقطع بالآحاد؟!، كما أن هذه المسألة عملية وليست علمية، فيكفي فيها الظن.

4

4 - إِنَّ تلقي الأمة للحديث الصحيح بالقبول يعد بمثابة الإجماع الملزم لإفادته القطع، ويعقب عليه: بأنّ الإشكال المطروح هو في كلمة الأمة هل المقصود بها مدرسة أهل السنة فحسب، أو الأمة الإسلامية قاطبة بمختلف مدارسها؟، فإذا كان الأول فهذا لا يعدّ إجماعا معتبرا؛ لأنه وقع بين بعض الأمة وليس جميعها، فليس

موجبا للقطع، وأما إذا كان الثاني فهو غير واقع لعدم وجود كتب للصحاح تلقتها الأمة كلها بالقبول. القول الثاني: لا يفيد إلا الظن.

وردت في هذا القول نصوص كثيرة من شتى المدارس؛ منها:

511

الباقلاني (ت 403 هـ) قال: "فأما خبرُ الواحد فإنما نظن أن النبي قد قال ما رواه الراوي، ولا نقطع به "5،

به.

فميز بين ما يُسمع من النبي صلى الله عليه وسلم مباشرة وبين ما يرويه الواحد عنه، فبيّن أنّ الثاني غير مقطوع ابن عبد البرت 463 هـ) قال: " واختلف أصحابنا وغيرُهم في خبر الواحد العدل، هل يوجب العلم والعمل جميعاً، أم يوجب العمل دون العلم؟، والذي عليه أكثر أهل العلم منهم أنه يوجب العمل دون العلم، وهو قول الشافعي وجمهور أهل الفقه والنظر، فحكى قول أكثر العلماء والفقهاء بأنّ الآحاد يفيد العمل دون العلم؛ أي يُعمَل به دون القطع بثبوته.

611

الجويني (ت 478 هـ) قال ردًّا على أصحاب القول الأوّل: "ذهبت الحشوية من الحنابلة وكتبة الحديث إلى أنّ خبر الواحد العدل يوجب العلم، وهذا خزي لا يخفى مدركه على ذي لبّ، فنقول لهؤلاء: أتجوزون أن يزلّ العدل

2

1 محمد بن الموصلي، مختصر الصواعق المرسلة لابن القيم، مرجع سابق، 577/ 1.

4

5

محمد بن الموصلي، مختصر

الصواعق المرسلة لابن القيم، مرجع سابق، 1/ 676.

3 أما تحوّلهم بعد سماعهم للآية فَوَلٌ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَام [البقرة: 144] بطريق التواتر؛ فهذا مسلّم ومقطوع به.

ينظر: ابن الصلاح، علوم الحديث، مرجع سابق، ص 28.

محمد

بن

الطيب الباقلاني، التقريب والإرشاد الصغير، عبد الحميد أبو زنيد، ط 2، مؤسسة الرسالة، دب، 1998 م، 313/ 1.

6 ابن عبد البر، التمهيد لما في الموطا من المعاني والأسانيد، مرجع سابق، 7/ 1.

135