الضوابط العلمية لعرض الحديث الصحيح على القرآن
الجزء ١ · صفحة ١٥٦قال ابن قدامة الحنبلي (ت 620 هـ): "اختلفت الرواية عن إمامنا رحمه الله أحمد بن حنبل في حصول العلم
بخبر الواحد، فروى أنه لا يحصل به (أي العلم، وهو قول الأكثرين والمتأخرين من أصحابنا؛ لأنا نعلم ضرورة أنا
6
1
لا نصدق أي خبر نسمعه، ولو كان مفيداً للعلم لما صح ورود خبرين متعارضين؛ لاستحالة اجتماع "الضدّين فاستدل على عدم إفادة خبر الواحد للعلم اليقيني بإمكان وقوع تعارض بين خبرين آحاديين؛ فيستحيل أن يكونا كلاهما قطعيين مع تعذر الجمع بينهما.
قال النووي (ت 676 هـ): "ذهب بعض المحدثين إلى أنّ الآحاد التي في صحيح البخاري أو صحيح مسلم تفيد العلم دون غيرها من الآحاد، وقد قدّمنا هذا القول وإبطاله في الفصول، وهذه الأقاويل كلها سوى قول الجمهور باطلة .... والعقل لا يحيل العمل بخبر الواحد، وقد جاء الشرع بوجوب العمل به فوجب المصير إليه، وأما من قال يُوجب العلم [أي القطع فهو مكابر للحس، وكيف يحصل العلم واحتمال الغلط والوهم والكذب وغير ذلك متطرّق إليه؟ "، فردّ على قول بعض المحدثين بأن خبر الواحد يفيد العلم القاطع، وأن القول بذلك يناقض ما تشاهده الحواس من وقوع الغلط والكذب من البشر، والصواب أن خبر الآحاد الصحيح يفيد الظنّ والعمل دون القطع.
ثم قرّر أن "الذي عليه جماهير المسلمين من الصحابة والتابعين فمن بعدهم من المحدثين والفقهاء وأصحاب الأصول أن خبر الواحد الثقة حجّة من حجج الشرع، يلزم العمل بها ويفيد الظنّ ولا يفيد العلم [أي القطع]، وأن وجوب العمل به عرفناه بالشرع لا بالعقل، فأكد ما عليه جمهور الأمة أن خبر الواحد يفيد الظن دون القطع، والشرع تعبد به في مسائل العمل دون مسائل اليقين؛ فهذا من أهل السنة.
311
أما الإباضية فهم مُطبقون على هذا القول فقد اتفقوا على أن الآحاد لا يفيد العلم اليقيني، وإنما يفيد
الظن، قال نور الدين السالمي:
" وَإِن يَكُن مُتَّصلَ الإِسْنَادِ … بِلا كَمَالٍ فَهُو الآحَادِي
وَلا يُفيدُ العِلمَ لَكِن العَمَل … وَقِيلَ لَا وَقِيلَ كُلِّ قَد حَصَل
فَأَتَبتُوا بِه أُصُولَ الدِّيـ
مَع أَنَّهَا ثَمَرَةُ اليَقِي
ـن
وَقَبِلُوهُ فِي خِلافِ القَطعِي … فَاختَلَطَت أُصُوهُم بِالفَرع
40
1
عبد
الله
أحمد بن
ابن قدامة المقدسي، روضة الناظر وجنة المناظر في أصول الفقه على مذهب الإمام أحمد بن حنبل، ط 2، مؤسسة الريان، دب،
2002 م، ص 302 - 303.
2
3
4
النووي، المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج، مرجع سابق، 131/ 1 - 132.
النووي، المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج، مرجع سابق، 131/ 1.
عبد الله بن حميد نور الدين السالمي، طلعة الشمس شرح شمس الأصول، تح: عمر القيام، دط، مكتبة الإمام السالمي، بدية-سلطنة عُمان،
137
24/ 22010