الضوابط العلمية لعرض الحديث الصحيح على القرآن
الجزء ١ · صفحة ١٦١وذكر ابن حجر أنّ "الخبر المحتف بالقرائن أنواع منها ما أخرجه الشيخان في صحيحيهما، مما لم يبلغ التواتر؛ فإنه احتفت به قرائن منها: جلالتهما في هذا الشأن، وتقدمهما في تمييز الصحيح على غيرهما، وتلقي العلماء لكتابيهما بالقبول، وهذا التلقي وحده أقوى في إفادة العلم من مجرد كثرة الطرق القاصرة عن التواتر، إلا أن هذا يختص بما لم ينتقده أحد من الحفاظ مما في الكتابين، وبما لم يقع التخالف بين مدلوليه مما وقع في الكتابين حيث لا ترجيح؛ لاستحالة أن يفيد المتناقضان العلم بصدقهما من غير ترجيح لأحدهما على الآخر، وما عدا ذلك فالإجماع حاصل على تسليم صحته، فبيّن أن تلقي العلماء لأغلب ما في الكتابين بالقبول كفيل بإفادته العلم، وهذا قد يصح - في نظر الباحث- لو كان هذا التلقي بالقبول يشمل جميع علماء الأمة من مختلف المدارس الإسلامية، أي إجماع بين الجميع، أما وهو مقتصر على إحدى المدارس دون غيرها، فهذا لا يكفي لبلوغ درجة إفادة العلم الذي هو بمعنى القطع واليقين.
كما أنه إذا كان هناك اعتبار للقرائن؛ فإن موافقة الخبر لكتاب الله من أهم القرائن الدالة على صدق الحديث، ومخالفته لصريح كتاب الله أهم قرينة على علّته وعدم سلامته، ومن العجيب عدم ذكر هذا المقياس من بين القرائن المحتفّة بالخبر، بالرغم من أهميته وأولويته على غيره من القرائن!.
التي
وبناءً على ما سبق من المناقشة وما تقدّم بيانه في العناصر السابقة من الإشكالات التي تعتري عملية نقل الحديث وتصحيحه، نرجّح القول بأن الحديث الآحاد الصحيح يفيد الظنّ ولا يفيد اليقين، قال النووي (ت 676 هـ) في هذا الصدد معقبًا على قول ابن الصلاح في مقدّمته بأن خبر الواحد في الصحيحين يفيد العلم: "وهذا الذي ذكره الشيخ [أي ابن الصلاح] خلاف ما قاله المحققون والأكثرون، فإنما قالوا: أحاديث ليست بمتواترة إنما تفيد الظن فإنها آحاد والآحاد إنما تفيد الظن على ما تقرّر، ولا فرق بين البخاري ومسلم وغيرهما في ذلك، وتلقي الأمة لهما بالقبول إنما أفادنا وجوب العمل بما فيهما، وهذا متفق عليه؛ فإن أخبار الآحاد التي في غيرهما يجب العمل بها إذا صحت أسانيدها، ولا تفيد إلا الظن فكذا الصحيحان 3 فبيّن النووي أن أحاديث الآحاد بما فيها أحاديث الصحيحين تفيد الظن، ولا تفيد القطع؛ وذلك بسبب طبيعة نقلها الأحادية ومن ثم وجب أن تُستأنف عملية نقدِه خاصة من جهة متنه بمقياس العرض على القرآن الكريم؛ للوقوف على موافقته أو مخالفته.
ومن المعلوم أن مدارك اليقين في النفس تنحصر في خمسة أمور وهي: الأوليات وهي ما يدرك بالعقل بداهة، والمشاهدات الباطنة كالإحساس الشعوري بالجوع والعطش والمحسوسات الظاهرة وهي ما تدركه الحواس الخمس،
ابن حجر العسقلاني، نزهة النظر في توضيح نخبة الفكر في مصطلح أهل الأثر، مرجع سابق، ص 59 - 60. كلمة 'الأمة هنا، فالصواب أن يُقال تلقي مدرسة أهل السنة لهما بالقبول؛ لأنَّ الأمة تشمل جميع المدارس الإسلامية. بن زكريا النووي، المنهاج في شرح صحيح مسلم بن الحجاج، مرجع سابق، 20/ 1.
التحفظ
من
يحي
142
1
2
3