الضوابط العلمية لعرض الحديث الصحيح على القرآن
الجزء ١ · صفحة ١٦٨العرض؛ حيث يعتد بصحته، إضافةً إلى الدليل العقلي القاضي بتقديم القرآن القطعي على الحديث الظني من جهة الثبوت.
ونكتفي بهذا القدر من نصوص فقهاء الحنفية، وممن صرّح منهم بمبدأ العرض أيضا: الدبوسي (ت 430 هـ) في تقويم الأدلة، والبزدوي (ت 482 هـ) في أصوله، والنسفي (ت 710 هـ) في كشف الأسرار، وغيرهم كثير جدا 4 من المتقدمين والمتأخرين.
ب. المالكية:
أما المالكية؛ فيتّضح رأيهم من مسألة العرض من خلال الأقوال الآتية:
1. القرافي (ت 684 هـ)؛ ذكر احتجاج ابن أبان بحديث العرض، وعلّق عليه قائلا: "يُحمل الحديث على ما إذا دلّت قواطع الكتاب على نقيض مقتضاه مع تعذر التأويل، أي أن ردّ حديثٍ بمقياس العرض على القرآن
5
يصح في حال ما إذا كان مخالفا لصريح آياتٍ قطعية الدلالة مخالفةً بينة بحيث يتعذر معها الجمع والتوفيق. 2. الشاطبي (ت 790 هـ)؛ أورد مسألةً بعنوان "الظني إذا خالف قطعيًا وجب ردّه، ذكر فيها الخلاف في ثبوت حديث العرض، وأورد نماذج من ردّ الصحابة لأحاديث لمخالفتها للقرآن الكريم، ثم قال: "وفي الشريعة من هذا
6
611
كثير جدا، وفي اعتبار السلف له نقل كثير، ولقد اعتمده مالك بن أنس في مواضع كثيرة؛ لصحته في الاعتبار ثم أورد أمثلة من تطبيقات مالك بن أنس للقاعدة في مسائل فقهية؛ فبيّن أنّ هذا المقياس صحيح ومعتبر عند
السلف الأوائل من الصحابة ومن بعدهم من الأئمة.
ومن هنا نجد أنّ الفقهاء الأوائل كانوا يقررون الأحكام وفق اجتهادٍ، رحب يعتمد أساساً على القرآن الكريم أولا؛ فإذا وجدوا في الحديث الصحيح ما يتسق معه قبلوه، أما ما خالفه فالقرآن عندهم أولى بالاتباع؛ وقد انتقد ابن خلدون (ت 808 هـ) بعض المتطاولين على هؤلاء الفقهاء قائلا: "وقد تقوّل بعض المتعصبين المتعسفين إلى أن منهم من كان قليل البضاعة في الحديث ولهذا قلت روايته، ولا سبيل إلى هذا المعتقد في كبار الأئمة .... ، وإنما أقل منهم من أقل الرواية لأجل المطاعن التي تعترضه فيها والعلل التي تَغمَّصَ في طُرُقها؛ سيما والجرح مقدم عند
1
عبيد
الله
الدين الميس، ط 1، دار الكتب العلمية، بيروت، 2001 م، الدبوسي أبو زيد تقويم الأدلة في أصول الفقه، تح: خليل بن عمر
ص 196 - 198.
2
3
4
261
ينظر: عبد العزيز البخاري، كشف الأسرار عن أصول البزدوي، مرجع سابق، 8/ 3 - 12.
عبد
الله
بن أحمد أبو البركات النسفي، كشف الأسرار شرح المصنف على المنار، دط، دار الكتب العلمية، بيروت، دت، 48/ 2 - 51. للمزيد من موارد المسألة وتطبيقاتها في كتب الحنفية؛ يُنظر: التركماني، دراسات في أصول الحديث على منهج
مرجع
الحنفية، سابق، ص 260 -
5 أحمد بن إدريس القرافي، شرح تنقيح الفصول في اختصار المحصول في الأصول، دط، دار الفكر، بيروت، 2004 م، ص 288. الشاطبي، الموافقات في أصول الشريعة، مرجع سابق، ص 465.
6
149