الضوابط العلمية لعرض الحديث الصحيح على القرآن
الجزء ١ · صفحة ١٧٠ويتبيَّن لنا من تأمل السياق الذي أورد فيه هذا الموقف سباقاً ولحاقاً؛ أنّ خطابه كان متوجها إلى أهل الرأي
من الأحناف في إنكارهم تخصيص عموم الكتاب بخبر الآحاد، حيث قال: "وَلَا حُجَّةَ بِتَوْهِينِ الْحَدِيثِ إِذَا ذَهَبُوا إِلَى أَنَّهُ يُخَالِفُ ظَاهِرَ الْقُرْآنِ وَعُمُومَهُ إِذَا احْتَمَلَ الْقُرْآنُ أَنْ يَكُونَ خَاصَّا، فلم يوافقهم في تضعيف الحديث بعلّة مخالفة ظاهر القرآن أو عمومه مع احتمال أن يكون خاصاً؛ ومما ذكره من الأمثلة في هذا الصدد مسألة قطع يد السارق فيما دون ربع دينار، والمسح على الخفين، وتحريم كل ذي ناب من السباع.
فمما ساهم في موقف الشافعي هذا "أنّ فقهاء أهل الرأي قد أدخلوا في مفهوم عرض الحديث على الكتاب ما عُرف بمسألة الزيادة على النص؛ إذ ردُّوا أحاديث لمجرد أنها أتت بأحكام زائدة على القرآن"، وكان ردُّ الشافعي عليهم ذا شِقّين؛ "الشق الأول: تضعيف ما استدلوا به من أحاديث عرض السنة على القرآن، والشق الثاني: إثبات توثيق ما ردُّوه من أحاديث تطبيقًا لمقياسهم، ومن هنا يتبيّن أن موقف رفض فكرة العرض جاء في سياق السجال التاريخي الذي دار بين أهل الرأي وأهل الحديث؛ هذا من جهة.
41
ومن جهة أخرى؛ "في هذه المرحلة ظهرت المعتزلة ومنهم من انتسب إلى مذهب أبي حنيفة كبشر المريسي - وبعض الفرق الأخرى، وكانت لهم مواقف نقدية من الحديث؛ في وقت كان يسعى فيه أصحاب الحديث إلى تثبيت مذهبهم في الآثار، وبناء مناهجهم في نقد الرواة، بينما نجد أن طريقة الحنفية ربما تتقاطع مع المعتزلة في ردّ بعض الحديث، فالتطبيقات المجتزأة وغير المنضبطة التي صدرت من هؤلاء، لم يستسغها الشافعي وأهل الحديث، وكانت السبب الرئيس في رفض مقياس العرض وإبطاله.
511
والأولى - في نظر الباحث - هو ضبط هذا المقياس بالقواعد العلمية الضابطة لا رفضه وإلغاؤه كليا؛ فهو المنهج الذي دعا إليه القرآن الكريم كما رأينا في التأصيل القرآني-، وهو الذي مارسه الصحابة في نقد الحديث كما رأينا من تطبيقاتهم في التأصيل الحديثي؛ فوجود تطبيقات خاطئة أو غير منضبطة بمنهج محكم فيمن بعدهم لا يستدعي إبعاد المقياس كليا بل ينبغي تقنينه وإحكامه، شأنه شأن جل العلوم والقواعد التي كانت تمارس في عهد الصحابة والتابعين على السليقة، ثم تبلورت معالمها واكتملت قواعدها شيئا فشيئا خلال العصور اللاحقة، حتى أصبحت علوماً قائمةً بذاتها منضبطةً، ومقنّنة كعلوم الحديث والفقه والأصول واللغة ونحوها؛ ولذا فضبط مقياس العرض وتقنينه هو ما نرومه من خلال بحثنا، بحول الله وتوفيقه.
1
2
3
الشافعي، ينظر: م ن، 597/ 8 فما بعد.
اختلاف الحديث، مرجع سابق، 597/ 8.
عبد المجيد محمود، الاتجاهات الفقهية في القرن الثالث الهجري، مرجع سابق، ص 208.
4 رفعت بن فوزي، توثيق السنة في القرن الثاني الهجري، مرجع سابق، ص
5
معتز الخطيب، عرض الحديث على القرآن، مرجع سابق، ص
62
299
151