الضوابط العلمية لعرض الحديث الصحيح على القرآن (المنهج والتطبيق) محمد بن قاسم شقبقب

الضوابط العلمية لعرض الحديث الصحيح على القرآن

الجزء ١ · صفحة ١٧٤

فأغلب هذه الأقوال من الفقهاء والمحدثين تبيّن موقفهم من فكرة عرض الحديث على القرآن؛ وهو الأخذ بقاعدة: أنَّ مخالفة الحديث لصريح القرآن علامة من علامات، وضعه، وهذا يدلُّ على إقرارهم بهذه القاعدة، على

الأقل في شقها النظري.

ولكن معتز الخطيب يدقق بأنّ "مخالفة الحديث للقرآن هي محل اجتهاد بين العلماء؛ ولذلك لم تكن مقياسا عاما عند المحدّث- لردّ الحديث بمجرد المخالفة إذا صح النقل ولم يرد نص من أئمة المتقدمين يفيد ذلك صراحة، فلا نكاد نعثر على مثال صريح صح سنده وردّه النقاد لمخالفته القرآن؛ نعم ورد في كلام بعضهم ما يفيد أن مخالفة القرآن قد تكون قرينة مساعدةً عند الناقد إذا تضافرت مع جملة قرائن إسنادية ترجح ردّ الحديث وإعلاله""، فموقف المحدّثين أن الحديث الصحيح أصل بنفسه، ولا يحتاج لعرضه على الكتاب على سبيل الوجوب، ولا يُردّ بمجرد مخالفته لنص الكتاب إلا عند وجود قرائن أخرى في سنده تدل على ضعفه.

ثانيا: الجانب التطبيقي

وقفنا في الجانب التطبيقي لقاعدة العرض لدى مدرسة أهل السنة على الأمثلة الآتية:

عن عروة بن الزبير (ت 94 هـ) أنه لما سمع الحديث الذي يُروى في الصخرة أنها «عرش الله الأدنى»، قال: "سبحان الله، يقول الله تعالى: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ [سورة البقرة: 255]، وتكون الصخرة عرشه الأدنى؟! "، فاستشكل الحديث بما نصت عليه الآية من وُسع كرسي الله تعالى، وبما نزّه به ذاته العلية في كتابه

الكريم من

التشبه بخلقه.

الشاهد،

1. بنى الحنفية على قاعدة العرض عدة ترجيحات في مسائل جُلّها فقهية اجتهادية تناولتها كتب الفقه المقارن، مثل: مسألة متروك التسمية عمدا، ومسألة النفقة والسكنى للمطلّقة ثلاثا، ومسألة القضاء باليمين مع ومسألة الطهارة للطواف بالبيت ومسألة اشتراط النية للوضوء، وغيرها، ولا يسع المقام لبسط هذه المسائل الفقهية؛ لكونها خارج اختصاصنا.

وقد تعرّض الحنفية للطعن؛ بسبب تبنّيهم لهذا المبدأ؛ حيث قال ابن عبد البر (ت 463 هـ): "كثير من أهل الحديث استجازوا الطعن على أبي حنيفة؛ لرده كثيراً من أخبار الآحاد العدول؛ لأنه كان يذهب في ذلك إلى

معتز الخطيب، رد الحديث من جهة المتن- دراسة في مناهج المحدثين والأصوليين، مرجع سابق، ص 356.

أورده: الملا القاري الموضوعات الكبرى، مرجع سابق، ص 435.

نقله: ابن القيم، المنار المنيف في الصحيح والضعيف، مرجع سابق، ص 79.

تنظر هذه الأمثلة: كيلاني محمد خليفة، منهج الحنفية في نقد الحديث بين النظرية والتطبيق (ماجيستير)، ط 1، دار السلام، القاهرة، 2010 م،

ص

155

1

2

3

4

191 - 175