الضوابط العلمية لعرض الحديث الصحيح على القرآن
الجزء ١ · صفحة ١٧٥1
عرضها على ما اجتمع عليه من الأحاديث ومعاني القرآن، فما شدَّ من ذلك ردَّه وسماه شاذا، فبين أن أبا حنيفة انتقد من قبل أهل الحديث بسبب عرضه الآحاد على معاني القرآن والسنة، وردّ ما شدّ منها. والمسائل التي عُوتب عليها الأحناف فقهية فرعية يسعُ فيها الاجتهاد والخلاف، ولا نراها تستوجب إنكارا أو طعناً فيهم؛ لأنهم لم يقصدوا ردّ شيءٍ من سنة المصطفى، وإنما تحروا في قبوله؛ سيراً على نهج من سبقهم من الصحابة، كما قال أبو زهرة (ت 1974 م): نرى أن فقهاء الرأي الذين لا يقبلون الأحاديث إلا بعد عرضها على المحكم من كتاب الله سبحانه وتعالى الذي لا يحتاج إلى بيان؛ قد اعتمدوا في منهجهم على الصحابة أبي بكر وعمر وعائشة وغيرهم رضوان الله تعالى عليهم، وحاكوهم في منهاجهم، ولم يباعدوا عن سمتهم؛ فما كانوا مبتدعين، ولكن كانوا متبعين "3، فبيّن أنهم لم يبتدعوا منهجا مُحدَثا، وإنما ساروا في ذلك على نهج الصحابة
الأوائل.
2. نقل السيوطي أن مالك بن أنس (ت 179 هـ) روى مائة ألف حديث جمع منه في الموطأ عشرة آلاف، ثم لم يزل يعرضها على الكتاب والسنة ويخبرها بالآثار، حتى رجعت إلى خمسمائة"، أي أنه وظف مقياس العرض على الكتاب والسنة والآثار في تنقية موطئه وتنقيحه باستمرار، فاستخلص ما نسبته 0.5% مما جمعه أول مرة من الأحاديث، وإذا صح هذا؛ فإنه يدلّ على شدة تحريه ودقة تمحيصه.
كما ذكر أبو زهرة أن مالكاً "قاربَ فقهاء العراق في عرضهم أخبار الآحاد على الكتاب"، وبين رفعت بن فوزي وجه الشبه في المنهج بين مالك بن أنس والأحناف فقال: "إذا تركنا الأحناف إلى الإمام مالك-رحمة الله عليهم جميعًا - فإننا نجده يلتقي في كثير من الأحيان معهم في هذا المقياس فيردّ بعض الأحاديث؛ لأنها تتعارض بحسبه] مع ظاهر القرآن الكريم، أو كما يقول أستاذنا الدكتور عبد المجيد محمود ذهب مذهبهم مع يسير، وقاربهم في عرض أخبار الآحاد على الكتاب، فمنهجا الإمام مالك والأحناف متقاربان في توظيف مقياس عرض الحديث على القرآن الكريم.
611
اختلاف
1 يوسف بن عبد البر أبو
عمر
الأندلسي، الانتقاء في فضائل الأئمة الثلاثة الفقهاء، ط 1، دار البشائر الإسلامية، بيروت، 1997 م، 276/ 3 -
277
2
محمد
بن
أحمد أبو زهرة من أكبر علماء الشريعة الإسلامية في عصره، تربّى بالجامع الأحمدي وتعلّم بمدرسة القضاء الشرعي، وتولى تدريس العلوم الشرعية والعربية ثلاث سنوات، وبدأ اتجاهه إلى البحث العلمي في كلية أصول الدين وعين أستاذا محاضرا للدراسات العليا في الجامعة، وعُضواً للمجلس الأعلى للبحوث العلمية، وكان ووكيلاً لمعهد الدراسات الإسلامية، ألف أكثر من 40 كتابا منها: أصول الفقه وتواريخ مفصلة ودراسة فقهية أصولية للأئمة الأربعة. الزركلي، الأعلام، مرجع سابق، 25/ 6 - 26.
3
4
5
6
محمد أبو زهرة، ابن حنبل حياته وعصره، دط، دار الفكر العربي، مصر، دت، ص 250 - 251.
عبد الرحمن جلال الدين السيوطي، تنوير الحوالك شرح على موطأ مالك، دط، دار إحياء الكتب العربية، مصر، دت، 6/ 1.
محمد أبو زهرة، ابن حنبل حياته وعصره - آراؤه وفقهه، مرجع سابق، ص 251. رفعت بن فوزي، توثيق السنة في القرن الثاني الهجري، مرجع سابق، ص 297.
156