الضوابط العلمية لعرض الحديث الصحيح على القرآن
الجزء ١ · صفحة ١٧٦1
ومن
تطبيقات مالك بن أنس لقاعدة العرض: أنّه "أهمل اعتبار حديث من مات وعليه صيام صام
عنه
وليه»؛ لمنافاته [بحسبه] للأصل القرآني الكلّي نحو قوله: {أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا
سَعَى [سورة النجم: 38 - 39]، فرجّح ظاهر الآية على هذا الحديث؛ لما لاح له من تعارض بينهما.
3
النبي
6
أنه قال:
أبو بكر الإسماعيلي الشافعي (ت 370 هـ) استشكل الحديث المروي عن أبي هريرة عن يلقى إبراهيم أباه آزر يوم القيامة وعلى وجه آزر قترة، وغبرة، فيقول له إبراهيم: ألم أقل لك لا تعصني؟، فيقول أبوه: فاليوم لا أعصيك، فيقول إبراهيم يا رب إنك وعدتني أن لا تخزيني يوم يبعثون، فأيُّ خزي أخزى من أبي الأبعد؟ … الحديث»؛ قال ابن حجر: "وقد استشكل الإسماعيلي هذا الحديث من أصله، وطعن في صحته، فقال بعد أن أخرجه هذا خبرٌ في صحته نظر؛ من جهة أنّ إبراهيم علم أن الله لا يخلف الميعاد؛ فكيف يجعل ما صار لأبيه خزيا مع علمه بذلك؟!، وقال غيره: هذا الحديث مخالف لظاهر قوله تعالى: وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ أَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ} [سورة التوبة: 114] "، فاستشكل الحديث لما رأى فيه من مخالفة مع الآيات الناصة على أن الله تعالى لا يخلف وعده، وأن إبراهيم تبرأ من أبيه، فكيف
يعترض على الله في حكمه؟!؛ فسلك مسلك الترجيح، بينما سلك ابن حجر في هذه المسألة مسلك التوفيق. 3. أبو بكر ابن العربي المالكي (ت 543 هـ)؛ علّق على المثال الأنف ذكره بقوله: "قد قال الله تعالى: {وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى [سورة الأنعام: 164]، وقال تعالى: {وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى [سورة النجم: 38]، وهاتان الآيتان محكمتان عامتان غيرُ مخصوصتين في الدين، وأصل للعالمين، وأمّ من أمهات الكتاب المبين، إليها تُردّ البنات، وبها يُستنار في المشكلات، وقد عارضت هذه الأحاديث ظاهرها وباطنها فكان جعل القرآن أما، والحديثِ بنتاً واجبٌ في النظر، فدعا إلى جعل القرآن أصلا والحديث فرعا له، ومحاكمة الحديث إلى محكم
القرآن.
611
4. ابن الجوزي الحنبلي (ت 597 هـ) تناول نقد مجموعة من الأحاديث في متونها، موظفا مقياس العرض على القرآن، منها: ما رُوي عن عائشة أن النبي الله قال: «ذهبتُ إلى قبر أمّي آمنة فسألت الله أن يُحييها فأحياها
1
2
3
البخاري، كتاب الصوم، باب من مات وعليه صوم، ح:1863.
الشاطبي، الموافقات في أصول الشريعة، مرجع سابق، ص 466.
محمد بن إسماعيل أبو بكر الإسماعيلي: "من حفّاظ الحديث، ثقة، جمع حديث الزهري وحديث مالك وحديث يحيى بن سعيد وحديث عبد بن دينار وحديث موسى بن عقبة؛ الزركلي، الأعلام، مرجع سابق، 35/ 6. صحيح البخاري، كتاب أحاديث الأنبياء، باب قول الله تعالى: واتخذ الله إبراهيم خليلا، ح:3188.
4
5 ابن.
6
ابن
حجر العسقلاني، فتح الباري، مرجع سابق، 500/ 8.
العربي، القبس في شرح موطأ مالك بن أنس، تح: محمد ولد كريم، ط 1، دار الغرب الإسلامي، بيروت، 1992 م، 517/ 2 - 518.
الله
157