الضوابط العلمية لعرض الحديث الصحيح على القرآن
الجزء ١ · صفحة ٢٠٠اقتصار العديد من تطبيقات العرض على القرآن لدى جل المدارس - على عرض الحديث الضعيف والموضوع
دون الحديث الصحيح؛ والمطلوب تناول النقد للحديث الصحيح بهذا المقياس لتنقيته هو أيضا من الشوائب. تهتم العديد من المدارس بنقدِ مرويات غيرها وتغض الطرف عن مروياتها في الغالب، والأولى أن تهتم كل مدرسة بنقد مروياتها وتراثها قبل تراث غيرها.
من الإشكالات المنهجية الملحوظة في تطبيقات العرض: الطريقة التجزيئية للنصوص، حيث يُعرَض الحديث الواحد على الآية الواحدة دون استقراء شامل لكل آيات المسألة، وأحاديثها، وهو ما سنعالجه في فصل المنهجية العلمية للعرض.
لم يسلم تطبيق قاعدة العرض من التوظيف المذهبي أحيانا بما يؤيّد المواقف الفقهية أو الكلامية؛ لذا من الضروري البحث عن المنهجية العلمية الضابطة حتى يوظف العرض توظيفا سليما، يترفع عن الأطر المذهبية الضيقة، ويتوخى الموضوعية والتجرّد والإخلاص في طلب الحقيقة، وهو ما سنسعى إليه بحول الله في الفصلين
القادمين.
يتضح مما سبق بيانه من تطبيقات العرض لدى مختلف المدارس أن الموضوع لا زال بكرا، والمجهودات المبذولة فيه لا تزال ضعيفة ومحدودة خاصة بالنسبة للحديث الصحيح وهي في نظر الباحث- غير كافية لتمحيصه وتنقيته من الشوائب، مما يتطلب المزيد من العناية والاهتمام ومضاعفة الجهد لمواصلة العمل في هذا المضمار. وبهذا نأتي إلى ختام هذا المبحث الذي وقفنا فيه على نصوص كثيرة مؤيدة لقاعدة عرض الحديث على القرآن من مختلف المدارس، مما يجعلنا نثق أكثر في إمكان اتخاذه أرضية صلبة للاتفاق والوحدة الإسلامية المنشودة؛ وبقي البحث العميق عن المنهج العلمي الرصين لتطبيقه، بحيث يمكن أن يقاربه الجميع ويلتف حوله، سعيا للمّ شمل الأمة، وهو ما نسعى إليه من خلال بحثنا بتوفيق الله تعالى.
المبحث الثاني: الأبعاد المعرفية والحضارية للعرض.
نبيّن في هذا المبحث المرامي والأبعاد التي نرومها في بحثنا من منهج عرض الحديث الصحيح على القرآن الكريم؛ وهناك عدة مستوياتٍ لهاته الأبعاد؛ فالمطلب الأول خُصص للبعد المعرفي؛ ببيان دور العرض في تأسيس المنهجية المعرفية السليمة للفكر الإسلامي والمطلب الثاني للبعد الوحدوي، ببيان دور العرض في توحيد المرجعية الإسلامية وبخاصة في الجانب الإيماني، والمطلب الثالث أفرد للبعد الحضاري؛ ببيان دور منهج العرض في استرجاع الحضارة الإسلامية والتمكين الحضاري للأمة.
المطلب الأول: دور العرض في تأسيس المنهجية المعرفية والعقدية. ويتضمن فروعا ثلاثة؛ الأول: لمقاربة تشخيص الأزمة المعرفية للأمة، والثاني: لوضع تصنيف منهجي
للمصادر الإسلامية والثالث: يتناول سبل تنقية الحديث النبوي والتراث الإسلامي من الثقافة الدخيلة.
181