الضوابط العلمية لعرض الحديث الصحيح على القرآن
الجزء ١ · صفحة ٢٠١النبي
أولا: تشخيص الأزمة المعرفية للأمة.
جدير بالذكر أنّ فقهاء الصحابة وبخاصة السابقين الأوّلين منهم لم يكونوا يُكثرون من رواية الحديث عن
، بل كانوا ينهون ويزجرون في ذلك؛ ومما جاء من مواقفهم في ذلك ما يأتي:
عن عبد الله بن الزبير أنه قال قلت للزبير: "إني لا أسمعك تحدّث عن رسول الله كما يحدث فلان وفلان فقال: أما إني لم أفارقه ولكن سمعته يقول: من كذب عليّ فليتبوأ مقعده من النار»، فالزبير يتحرّز من رواية الحديث مخافة الوقوع في الوعيد المذكور في هذا الحديث.
وقد اشتهر عمر بن الخطاب الله بشدّة إنكاره على من يُكثر رواية الحديث، قال ابن قتيبة (ت 276 هـ): "كان عمر شديدًا على مَن أكثر الرواية، أو أتى بخبر في الحكم لا شاهد له عليه، وكان يأمرهم بأن يُقِلُّوا الرواية، يريد بذلك أن لا يتسع الناس فيها فيدخلها الشوب، ويقع التدليس والكذب من المنافق والفاجر والأعرابي، وكان جلة الصحابة وأهل الخاصة برسول الله كأبي بكر والزبير وأبي عبيدة والعباس بن عبد المطلب يقلُّون
كثير من
211
الرواية عنه، بل كان بعضهم لا يكاد يروي شيئا كسعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل"، فبين حزم عمر ونهيه عن كثرة الرواية مخافة تسرّب الدخيل إلى حديث النبي، وقد شاركه جملة من كبار الصحابة في الإقلال من الرواية. ومن مواقف عمر بن الخطاب في ذلك ما رُوي عن قرظة بن كعب قال: "خرجنا نريد العراق فمشى معنا
3
عمر بن الخطاب إلى صرار فتوضأ ثم قال: أتدرون لم مشيتُ معكم؟ قالوا: نعم نحن أصحاب رسول الله مشيت معنا، قال: إنّكم تأتون أهل قرية لهم دوي بالقرآن كدوي النحل، فلا تبدونهم بالأحاديث فيشغلونكم؛ جردوا القرآن، وأقلوا الرواية عن رسول الله، وامضوا وأنا شريككم، فلما قَدِم، قرظة، قالوا: حدثنا، قالوا: نهانا ابن الخطاب"، فأوصاهم بتقليل رواية الحديث وعدم الاشتغال بها عن كلام الله تعالى.
وعن عبد الله بن العلاء قال: سألتُ القاسم بن محمد أن يُملي على أحاديث فقال: إن الأحاديث كثرت على عهد عمر بن الخطاب فأنشد الناس أن يأتوه بها، فلما أتوه بها أمر بتحريقها، ثم قال: مثناة كمثناة أهل الكتاب، قال: فمنعني القاسم يومئذٍ أن أكتب حديثا، وكل هذا حرص منه على عدم الوقوع فيما وقع فيه أهل الكتاب من تحريف الكلم عن مواضعه ومن رفع كلام البشر فوق كلام الله وعل.
1
2
3
4
صحيح البخاري، كتاب العلم باب إثم من كذب على النبي
ح: 106.
عبد
الله بن مسلم بن قتيبة الدينوري، تأويل مختلف الحديث، تح: محمد الأصفر، ط 2، المكتب الإسلامي، دب، 1999 م، ص 89 - 90. صرار: "موضع على ثلاثة أميال من المدينة على طريق العراق، قاله الخطابي"، ياقوت الحموي، معجم البلدان، مرجع سابق، 398/ 3. المستدرك على الصحيحين للحاكم، كتاب العلم، ح: 316، وقال عنه: هذا حديث صحيح الإسناد، له طرق تُجمع ويُذاكر بها"، ورواه بألفاظ مشابهة: الطحاوي، مشكل الآثار، باب بيان مشكل ما رُوي عن رسول الله، ح:5275؛ والبيهقي، معرفة السنن والآثار للبيهقي، كتاب السير، الرجل يموت في أرض العدو قبل الغنيمة، ح:5560، وغيرهما.
5
ابن سعد، الطبقات الكبرى، مرجع سابق، 143/ 5.
182