الضوابط العلمية لعرض الحديث الصحيح على القرآن (المنهج والتطبيق) محمد بن قاسم شقبقب

الضوابط العلمية لعرض الحديث الصحيح على القرآن

الجزء ١ · صفحة ٢٠٢

الله

وروي عن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف عن أبيه أنه "بعث عمر بن الخطاب إلى عبد مسعود وإلى أبي الدرداء وإلى أبي مسعود الأنصاري فقال: ما هذا الحديث الذي تُكثرون عن رسول الله؟ 1 فحبسهم في المدينة حتى استشهد"، فحبسهم في المدينة كان بسبب إكثارهم من الحديث. وقد اشتهر ابن الخطاب بمثل هذه المواقف، ويتضح جليا أنه ما كان يريد أبدا النيل من سنة رسول الله أو حديثه في شيء؛ فحاشاه له أن يفعل ذلك، وإنما دافعه إلى ذلك هو حرصه وخوفه الشديد من الاشتغال بالأحاديث عن كلام الله تعالى أو جعل شيء يضاهيه وينازعه في المرجعية والحاكمية؛ حيث قال الخطيب: "ثبت أن كراهة من كره الكتاب من الصدر الأول إنما هي لئلا يُضاهى بكتاب الله تعالى غيره، أو أن يُشتغل عن القرآن بسواه"، وقد أوضحنا أسباب النهي عن تدوين الحديث ضمن مطلب 'الأدلة العقلية للعرض.

وذكر الذهبي (ت 748 هـ) بعض مواقف الصحابة مع أخبار الآحاد فقال: "فأصحاب رسول الله وإن كانوا عُدولا فبعضهم أعدلُ من بعض وأثبت، فهنا عمرُ قنع بخبر عبد الرحمن، وفي قصة الاستئذان يقول: ائت بمن يشهد معك، وعلي بن أبي طالب يقول: كان إذا حدّثني رجل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم استحلفته، وحدثني أبو بكر وصدق أبو بكر، فلم يحتج على أن يستحلف الصديق"، فبعضهم يطلب أحيانا شاهداً من الراوي، والآخر يستحلفه، وكلّ هذا حرص وتشديد من أجل سلامة الرواية، وهذا مع قصر سندها آنذاك؛ فكيف مع طوله فيما

بعد لأجيال وقرون متعاقبة!.

3

وعن أنس بن مالك أنه قال: "إنه ليمنعني أن أحدثكم حديثا أنّ النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من تعمد علي كذبا

فليتبوأ مقعده من النار، فخوفه من الوقوع في الخطأ والكذب ووعيده جعله يمتنع أحيانا عن رواية الحديث. وقد أفاضت كتب الرواية والتاريخ والأصول في ذكر أمثال تلك المواقف، ولم تكن حديثة عهد الصحابة، بل تمتد جذورها إلى عهد النبي عند نهيه عن تدوين الحديث، حيث روى أبو هريرة أنه: "خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ وَنَحْنُ نَكْتُبُ الأَحَادِيثَ، فَقَالَ: «أَهَذَا الَّذِي تَكْتُبُونَ؟ قُلْنَا: أَحَادِيثَ نَسْمَعُهَا مِنْكَ، قَالَ: كِتَابٌ غَيْرَ كِتَابِ اللَّهِ؟! أَتَدْرُونَ مَا ضَلَّ الأُمَمَ قَبْلَكُمْ؟ أَلا بِمَا اكْتَتَبُوا مِنَ الْكُتُبِ مَعَ كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى»، فذكرت الرواية أنه

2

1 أحمد علي ثابت الخطيب البغدادي، شرف أصحاب الحديث، تح: محمد سعيد أوغلي، دط، كلية الإلهيات، أنقرة، 1969 م، ص 87. الخطيب البغدادي، تقييد العلم، مرجع سابق، ص 57.

3

4

5

محمد الذهبي، سير أعلام النبلاء، مرجع سابق، 73/ 1.

صحيح البخاري، كتاب العلم باب إثم من كذب على النبي، ح: 107. ينظر: الخطيب البغدادي، تقييد العلم، مرجع سابق، ص 29 - 61؛ و ابن عبد البر، جامع بيان العلم وفضله، مرجع سابق، باب ذكر كراهية كتابة العلم، 268/ 1 - 297، وكذا: بَابُ ذِكْرِ مَنْ ذَمَّ الإِكْثَارَ مِنَ الْحَدِيثِ، ص 998 - 1036؛ الجصاص، الفصول، مرجع سابق، ج 3، باب القول في اعتبار أحوال أخبار الآحاد، كله.

6

الخطيب البغدادي، تقييد العلم، مرجع سابق، ص 34.

183