الضوابط العلمية لعرض الحديث الصحيح على القرآن
الجزء ١ · صفحة ٢٠٣نهاهم عن كتابة غير القرآن لئلا يشتغلوا به عنه كما حدث للأمم السابقة، وقد يقال بعدم قياس عصر
التنزيل على ما بعده؛ لكن ينبغي التنبه إلى أهم علل النهي، وهي عدم الاشتغال عن كتاب الله تعالى بغيره. قال الطاهر الجزائري (ت 1338 هـ) عنهم: " ولشدة عنايتهم به أقلّوا من الرواية، وأنكروا على من أكثر منها؛ إذ الإكثار مظنة للخطأ، والخطأ في الحديث عظيم الخطر"، أي كلّما أكثر الراوي من الرواية كلّما اتسع احتمال الخطأ ورود في روايته؛ ولذا أقلّوا منها.
ولكنه شاع في العصر الذي وليهم توسعا في الرواية وإكثارا منها، بدءاً من عهد متأخري الصحابة، وممن اشتهر في ذلك أبو هريرة، فهو على تأخر إسلامه وقصر مدة صحبته للنبي روى الآلاف من الأحاديث، بينما لم يرو كبارُ الصحابة وسابقوهم كأبي بكر وعمر وابن مسعود وأبي ذرّ ونحوهم سوى بضع المئات، مع طول صحبتهم للنبي مقارنة باللاحقين. ولا يقدح هذا في شخص الصحابي أبي هريرة ونيته، فحرصه على جمع أقوال النبي واغتنام صحبته له قبل وفاته هو الذي دفعه لهذا الجمع والرواية؛ وقد أثير هذا الاستغراب عن إكثاره للحديث في عهده لما سأله بعضهم عن سبب إكثاره فقال مدافعا عن نفسه - فيما رواه البخاري: يقولون إن أبا هريرة يُكثر الحديث، والله الموعد"، ويقولون ما للمهاجرين والأنصار لا يحدثون مثل أحاديثه؟ وإنّ إخوتي من المهاجرين كان يشغلهم الصفق بالأسواق، وإنّ إخوتي من الأنصار كان يشغلهم عمل أموالهم وكنت امراً مسكينا، ألزم رسول الله صلى الله عليه وسلم على ملء بطني"، فأحضر حين يغيبون، وأعي حين ينسون"، فكانوا يلومونه على كثرة الرواية ويبين لهم إكثاره وهو ملازمة النبي الأوقات الطوال ليأخذ عنه.
سب
وأخرج مسلم أن أبا هريرة خرج على الناس يوماً فضرب بيده على جبهته، فقال: "ألا إنكم تحدّثون أتي أكذب على رسول الله لتهتدوا وأضل ألا وإني أشْهَدُ لسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إذا انقطع شسع أحدكم فلا يمش في الأخرى حتى يُصلحها» "، فكان أبو هريرة يتألم على انتقاد من حوله إياه ومعاتبتهم له.
2
1
3
الطاهر الجزائري، توجيه النظر إلى أصول علم الأثر، مرجع سابق، 57/ 1.
إذ أسلم عام خيبر 7 هـ، وصحب النبي ثلاث سنوات فقط، حيث رُوي عنه أنه قال: "صحبت رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاث سنين لم أكن في ستي أحرص على أن أعي الحديث منّي فيه" صحيح البخاري، كتاب المناقب، باب علامات النبوة في الإسلام، ح: 3416. ينظر: علي بن أحمد ابن حزم الأندلسي، أسماء الصحابة الا الله وما لكل واحد منهم من العدد، تح: مسعد السعدني، دط، مكتبة القرآن، القاهرة، دت، ص 33 - 34. 4 أي: "لقاء الله الموعد، يعني به يوم القيامة، فهو يحاسبني على ما أزيد وأنقص"؛ الحسين الطيبي، شرح الكتب العلمية، بيروت، دت، 122/ 11 - 123.
4
5
6
7
الطيبي على
أي: " ألزمه قانعا بما يلزم بطني؛ الحسين الطيبي، شرح الطيبي على مشكاة المصابيح، مرجع سابق، 123/ 11. البخاري، كتاب المزارعة، باب ما جاء في الغرس، ح:2244.
صحيح مسلم، كتاب اللباس والزينة، باب إذا انتعل فليبدأ باليمين وإذا خلع فليبدأ بالشمال، ح: 4008.
مشكاة المصابيح، دط، دار
184