الضوابط العلمية لعرض الحديث الصحيح على القرآن
الجزء ١ · صفحة ٢٠٤خمسة
وأرجع الطاهر الجزائري (ت 1338 هـ) إنكارهم عليه إلى كثرة روايته مع قصر مدة صحبته للنبي مقارنة بغيره فقال: "وإنما اشتد إنكارهم على أبي هريرة لأنه صحب النبي نحوا من ثلاث سنين؛ فإنه أسلم عام خيبر، وأتى من الرواية عنه ما لم يأت بمثله من صحبه من السابقين الأولين، ذكر بقي بن مخلد أنه روي الآف حديث وثلاث مئة وأربعة وسبعين حديثا، وله في البخاري أربع مئة وستة وأربعون حديثا، وعمر بعده العلي نحوا من خمسين سنة، وكانت وفاته سنة تسع وخمسين، فجمع بين قصر مدة الصحبة وكثرة الرواية، وهذا ما أثار
إنكار الناس عليه.
النبي
ولكن الأمر لم يتوقف عند إكثاره للرواية فحسب، وإنما في تحديثه عن أهل الكتاب إلى جانب روايته عن وهو ما جعل بعض الناس يخلطون بينهما، فكان مدخلاً لتسرُّب ما سمي بالإسرائيليات؛ فقد رُوي عن التابعي بسر بن سعيد (ت 100 هـ) قوله: "اتقوا الله، وتحفّظوا من الحديث؛ فوالله لقد رأيتنا بجالس أبا هريرة، فيحدّث عن رسول الله ويحدثنا عن كعب، ثم يقوم، فأسمع بعض من كان معنا يجعل حديث رسول عن كعب، ويجعل حديث كعب عن رسول الله، فنبه بسر بن سعيد مبكرا إلى خطورة الأمر؛ مبينا أن
الله
الخلط وقع لدى الناس في نقل رواية أبي هريرة وذلك قبل انقضاء القرن الأول الهجري؛ فكيف بما بعده. ونقل ابن حجر العسقلاني (ت 852 هـ) أن عبد الله بن عمرو بن العاص "حصل له في وقعة اليرموك كتب كثيرة من كتب أهل الكتاب، فكان يخبر بما فيها من الأمور المغيّبة، حتى كان ربما قال له بعض أصحابه حدثنا ولا تحدثنا عن الصحيفة، فكان يروي أمورا غيبية من كتب أهل الكتاب، حتى نهاه بعض أصحابه
عن
النبي
ذلك. عن
411
6
ومثل ذلك صَدرَ عن كعب الأحبار حسبما رواه الذهبي (ت 748 هـ) أنه: "جالس أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم فكان يحدثهم عن الكتب الإسرائيلية، ويحفظ عجائب، وإذا ثبت هذا الأمر فهو من الخطورة بمكان على العقيدة الإسلامية أن يتسرّب إليها شيء من عقائد أهل الكتاب عبر الأحاديث النبوية، مهما بالغ نقادها في تنقيتها وتمحيصها؛ لأن الأمر إذا فشا أضحى تتبعه ونقده في غاية العُسر والتعقيد.
وربما هذا الذي جعل الخليفة عمر بن الخطاب حازما وصارما مع المكثرين في الرواية إلى حد تهديدهم بالنفي؛ فعن السائب بن يزيد أنه قال: سمعت عمر يقول لأبي هريرة لتتركُنَّ الحديثَ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أو
1
2
الطاهر الجزائري، توجيه النظر إلى أصول علم الأثر، مرجع سابق، 58/ 1.
مسلم بن الحجاج النيسابوري، كتاب التمييز (مطبوع في آخر كتاب منهج النقد عند المحدثين للأعظمي)، ط 3، مكتبة الكوثر، السعودية، 1990 م، ص 175.
3
ابن حجر العسقلاني، النكت على مقدمة ابن الصلاح، تح ربيع بن هادي عمير، ط 1، الجامعة الإسلامية، المدينة المنورة، 1984 م،
533 - 532/ 2
4 الذهبي،
سير
أعلام النبلاء، مرجع سابق، 489/ 3.
185