الضوابط العلمية لعرض الحديث الصحيح على القرآن
الجزء ١ · صفحة ٢٠٥لألحقنَّك بأرض، دوس، وقال لكعب لتتركنَّ الأحاديث أو لألحقنَّك بأرض القردة"، قال ابن كثير بعد أن أورد هذا الخبر -: "وهذا" محمول من عمر على أنه خشي من الأحاديث التي قد تضعها الناس على غير مواضعها، وأنهم يتكلمون على ما فيها من أحاديث الرخص، وأن الرجل إذا أكثر من الحديث ربما وقع في أحاديثه بعض الغلط أو الخطأ، فيحملها الناس عنه أو نحو ذلك، فبيّن أن دافع عمر إلى هذا الموقف هو خوفه من تنزيل الأحاديث على غير محلها، ونشر ما فيها من الرخص والخطأ الناجم عن الإكثار من الحديث.
،
ولذا قال الجصاص (ت 370 هـ) عند ذكره هذه الروايات: "ولا يخفى على ذي معرفة أن رواية أبي هريرة ليست مثل رواية ابن مسعود في التثبتِ والإتقان وسكون النفس إليها 3، فميّز بينهما من حيث درجة الوثوق والضبط في أحاديث كل منهما.
وقال ابن حجر (ت 852 هـ): وكان أبو هريرة يرى لزاماً عليه أن يحدّث الناس بما سمعه من رسول الله خروجاً من إثم كتمان العلم وقد ألجأه ذلك إلى أن يُكثر من رواية الحديث … ، ولكنَّ عمر كان يرى أن يشتغل النّاس أوّلاً، بالقرآن وأن يقلوا الرّواية عن رسول الله في غير أحاديث العمل، وأن لا يُروى للناس أحاديث الرخص لئلا يتكلوا عليها، ولا الأحاديث المشكلة التي تعلو على أفهامهم، كما أنه كان يخاف على المكثرين الخطأ في رواية الحديث، إلى غير ذلك .... ومن أجل ذلك كله نهى عمر الصحابة عن الإكثار من الرواية، وأغلظ لأبي هريرة القول وهدّده بالنفي، فبيّن مقصد أبي هريرة في الإكثار من الرواية، ومقاصد عمر له في زجره عن ذلك، ويتضح جليا أن مقاصد الخليفة عمر أعلى وأكثر اعتبارا وانسجاما مع مقاصد الشريعة؛ إذ دفع المفسدة أولى من جلب المصلحة، وبخاصة في مجال العقيدة ومسائل الإيمان.
4
واستمر الأمر كذلك في ظل الخلافة الراشدة؛ لكنه تغيّر مباشرة بعد وفاة عمر، ومع وقوع الفتنة وبداية تفرق الأمة، وهو ما أقرّ به أبو هريرة نفسه فيما رُوي عنه أنه قال: "إني لأحدث أحاديث لو تكلمت بها في زمن عمر، لشَجَّ رأسي، وفي رواية: "الضربَني عمرُ بالدرة، وقال: "ماكنا نستطيع أن نقول قال رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى قبض عمر، كنا نخاف السياط"، وقال - فيما رواه البخاري-: "حفظتُ من رسول الله وعاءين:
611
1
2
أبو زرعة الدمشقي، تاريخ أبي زرعة الدمشقي، مرجع سابق، ص 270؛ الذهبي، ابن كثير، البداية والنهاية، مرجع سابق، 106/ 8.
3 أحمد بن علي الجصاص، الفصول في الأصول، مرجع سابق، 132/ 3.
4 ابن حجر
5
601 - 600
سير
أعلام النبلاء، مرجع سابق، ص 0
العسقلاني، الإصابة في تمييز الصحابة، تح: عادل عبد الموجود وغيره، ط 1، دار الكتب العلمية، بيروت، 1995 م، 69/ 1.
الذهبي، سير أعلام النبلاء، مرجع سابق، 601/ 2
عبد البر، جامع بيان العلم وفضله، مرجع سابق، بَابُ ذِكْرِ مَنْ ذَمَّ الإِكْثَارَ مِنَ الْحَدِيثِ، 1003/ 2.
6 ابن
7 الذهبي،
سير أعلام النبلاء، مرجع سابق، 602/ 2 - 603.
186