الضوابط العلمية لعرض الحديث الصحيح على القرآن (المنهج والتطبيق) محمد بن قاسم شقبقب

الضوابط العلمية لعرض الحديث الصحيح على القرآن

الجزء ١ · صفحة ٢٠٦

1،

فأما أحدهما فبثثته، وأما الآخر فلو بثثته قطع هذا البلعوم، فاتضح من ذلك أن الخليفة عمر كان شديد الحزم

والحرص على عدم الإكثار من الرواية؛ لما قد يكون فيها من الأثر السلبي على فكر الأمة. وروي مسلم أن رجلاً جاء إلى ابن عباس، فجعل يحدث، ويقول: قال رسول الله، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فجعل ابن عباس لا يأذن لحديثه ولا ينظر إليه، فقال: يا ابن عباس، مالي لا أراك تسمع لحديثي، أحدثك عن رسول الله، ولا تسمع، فقال ابن عباس: إنا كنا مرة إذا سمعنا رجلا يقول قال رسول الله، ابتدرته أبصارنا، وأصغينا إليه بآذاننا، فلما ركب الناس الصعب والذلول لم نأخذ من الناس إلا ما نعرف "2، وفي رواية عنه: "إنا كنا نحدّث عن رسول الله إذ لم يكن يُكذب عليه، فلما ركب الناس الصعب والذلول تركنا الحديث عنه، فابن عباس يصف حالة تحوّل طرأت في الأمة، وهي شيوع الأحاديث ووقوع الدس والكذب فيها؛ مما يدلّ على بوادر مبكرة لظهور أزمة معرفية في فكر الأمة.

311

أبو

وعبّر التابعي عامر الشعبي (100 هـ) عن ذلك بقوله: "كره الصالحون الأوّلون الإكثار من الحديث، ولو استقبلت من أمري ما استدبرت ما حدثت إلا بما أجمع عليه أهل الحديث"، وأضاف التابعي الزناد (130 هـ): "أدركتُ بالمدينة مئةً أو قريبًا من المئة ما يُؤخذ عن أحدٍ منهم، وهم ثقات، يقال: ليس من، وهو ما يفيد بأن نواةً للنقد كانت تتشكّل في مرحلة مبكرة، رافقت كثرة التحديث والعناية بالرواية، بعد أن كان الأصل المستقرّ صرف العناية الكاملة للقرآن والإقلال من الرواية، فشكل مطلع القرن الثاني الهجري

أهله "5

نقطة تحول في تاريخ الأمة، وبالأخص في منهج تعاملها مع الحديث.

وبين طه جابر العلواني أنه انقضاء مع

عصر الصحابة الأوائل تكاثرت الرواية وكتبت الصحف، وانتشرت

الرواية حتى انشغل الناس بها، ووقع المحذور الذي كان في أذهان قادة الجيل الأول، والذي من أجله جمع عمر ما الحديث فمحاه، ومن قبله تردّد أبو بكر في جمعه، ولم يقف الأمر عند هذا الحد، بل رافق الإكثار من

7

كتب من الرواية الاهتمام بها على حساب القرآن، حيثُ يرى أنه "ما إن أطل عهد التدوين في منتصف القرن الثاني الهجري حتى بدأ الناس يعتمدون على الأحاديث لا بوصفها فقها نبويا مبينا، للكتاب بل مصدرا موازيا للقرآن الكريم، وبدأ بعضُهم يقدمها عليه؛ فأصبح القرآن مهجورا أو محيّدا بشكل كبير .... فصار مجرد مصدر ثانوي للشواهد

407

187

1

2

3

البخاري، كتاب العلم، باب حفظ العلم، ح:119. مسلم بن الحجاج، مقدمة صحيح مسلم، مرجع سابق، ص 7.

م ن، ص ن.

4 محمد الذهبي، تذكرة الحفاظ، مرجع سابق، 83/ 1.

6

5

7

الحسن الرامهرمزي المحدث الفاصل بين الراوي والواعي، مرجع سابق، ص

معتز الخطيب، عرض الحديث على القرآن، مرجع سابق، ص 8.

العلواني، إشكالية التعامل مع السنة، مرجع سابق، ص 199.