الضوابط العلمية لعرض الحديث الصحيح على القرآن (المنهج والتطبيق) محمد بن قاسم شقبقب

الضوابط العلمية لعرض الحديث الصحيح على القرآن

الجزء ١ · صفحة ٢٠٧

يستشهد بها الفقهاء والمتكلمون لتثبيت، آرائهم لا مصدراً مؤسساً ومنشئا للأفكار والعقائد والشرائع، وزال ذلك الحرص الشديد الذي كان في الجيل الأول في أذهان قياداته على ألا يُشاب القرآن بغيره لما انشغل الناس انشغالاً مستغرقاً بالآثار والمرويات"، حتى قال بعضهم: "إجهد جهدك، هاتِ مسألة لا أروي لك فيها شيئًا، وهذا التحوّل في الاهتمام يمثل جوهر الأزمة الفكرية التي أصيبت بها الأمة.

411

ويوضح الفراهي الهندي (ت 1349 هـ) أثر هذه الأزمة على البناء المعرفي للعقل المسلم بقوله: "هاهنا منزلة وخطر، وذلك أنك قبل أن تفهم القرآن تتهافت على الحديث وفيه صحيح وسقيم، فيعلق بقلبك من الآراء ما ليس له في القرآن أصل، وربما يخالف هدي القرآن فتأخذ في تأويل القرآن إلى الحديث، ويلبس عليك الحق بالباطل، وهذا الكلام في غاية الدقة والعُمق؛ إذ يشخّص الأزمة المعرفية التي نتحدَّث عنها؛ فعندما يجنح المسلم إلى الرواية على حساب القرآن الكريم يبني مفاهيمه من خلال تلك الروايات صحيحها وسقيمها، ثم بعد ذلك يحمل معاني القرآن على تلك المفاهيم؛ وبهذا يُفقد القرآنَ دوره المحوري المرجعي؛ فيصير تابعاً لا متبوعاً. ثم بين الفراهي أن "السبيل السَّوي أن تعلم الهدى من القرآن وتبني عليه دينك، ثم بعد ذلك تنظر في الأحاديث فإن وجدتَ منها ما كان شارداً عن القرآن حسب بادئ النظر أوّلته إلى كلام الله، فقرت عيناك، وإن أعياك فتوقف في أمر الحديث واعمل بالقرآن وقد أمرنا أولا وآخرا بإطاعة الله ثم بإطاعة رسوله، فنبه إلى

511

ضرورة البناء المعرفي من القرآن أوّلا، ثم يُتوَجَّه بعد ذلك إلى الأحاديث على أن تُفهم وتُعاير في ضوء بيانه وهدايته، وهذا ما نقصده من العرض على القرآن.

وقد انتقد محمد رشيد رضا (ت 1354 هـ إغراق بعض المفسرين تفاسيرهم باستقصاء الروايات والآثار ذات الصلة القريبة والبعيدة بتفسير الآية؛ مما يُشغل الأذهان ويحجبها عن تقصي المقاصد القرآنية وتدبّرها وبيانها، حيث قال: "أكثر ما رُوي في التفسير المأثور أو كثيره حجاب على القرآن وشاغل لتاليه عن مقاصده العالية المزكية للأنفس المنوّرة للعقول؛ فالمفضّلون للتفسير المأثور لهم شاغل عن مقاصد القرآن بكثرة الروايات … ، فكانت الحاجة شديدةً إلى تفسير تتوجّه العناية الأولى فيه إلى هداية القرآن على الوجه الذي يتفق مع الآيات الكريمة المنزلة في وصفه وما أنزل لأجله من الإنذار والتبشير والهداية والإصلاح"، فبيّن أن الإكثار من الروايات في

611

1

3

2

العلواني، إشكالية التعامل السنة، مرجع سابق، ص 200. مع

هذا القول منسوب لابن جريج، ينظر: ابن عبد البر، الانتقاء في فضائل الأئمة الثلاثة الفقهاء، مرجع سابق، ص 275. عبد الحميد الفراهي الهندي: علامة اللغة العربية والتفسير عين أستاذ للغة العربية بكلية عليكره الإسلامية، ثم عُيّن أستاذاً بجامعة الله أباد، وبقي فيها أعواما حتى انتقل منها إلى حيدر أباد الدكن رئيسا لمدرسة دار العلوم النظامية، التي كانت تخرج قضاة البلاد وولاتها، وهو الذي عمل على تأسيس الجامعة العثمانية. أحمد حسن فرحات http://shamela.ws، 2018/05/28 م.

4

5

6

حميد الدين الفراهي، التكميل في أصول التأويل، مرجع سابق، ص 88 - 89. حميد الدين الفراهي، التكميل في أصول التأويل، مرجع سابق، ص 88 - 89.

محمد رشيد رضا، تفسير المنار، مرجع سابق، 10/ 1.

188