الضوابط العلمية لعرض الحديث الصحيح على القرآن (المنهج والتطبيق) محمد بن قاسم شقبقب

الضوابط العلمية لعرض الحديث الصحيح على القرآن

الجزء ١ · صفحة ٢٠٨

التفسير يُشغل عن فهم معاني القرآن، ومقاصده، وأن التماس هدايته من نصوصه الأصلية أقوم وأولى؛ لأن الله تعالى جعله ميسرا للتذكر والتدبّر.

وهو ما لاحظه حبُّ الله حيدر (معاصر) من (الإمامية) في الخطاب الديني حيث قال: "نجد الرواية أكبر حضوراً من الآية سواء في المجتمع العلمي الديني أم في الوسط العام، وسواء على المستوى المعرفي أم على المستوى التربوي والأخلاقي، ونرى هذا مناقضاً لمبدأ المرجعية الأولى والكبرى للقرآن الكريم، فليست مرجعية القرآن وإحاطته التامة عنوانا نظريا، بل لا بد أن يستتبعه جملة نتائج عملية أيضا، فاتخاذ القرآن دستورا ومصدرا أوّلاً أن يقتضي يحتل الصدارة في تناول المسائل الدينية ومعالجتها، وأن يكون هو المركز، ويكون غيره تابعاً له. ويرى عبد الحميد أبو سليمان (معاصر) أنه مما ساهم في ضبابية الرؤية الإسلامية المعاصرة: تلك العوائق النفسية التي روّضت العقل المسلم فلا يجرؤ على إمعان النظر التحليلي في تراثه ومقدساته بالقدر والعمق المطلوبين؛ لكي يدرك كنهها وموضع اللباب منها؛ ولذلك ظل العقل المسلم حتى اليوم أسير مفاهيم ومنطلقات أساسية تجعله حبيس أخطاء الماضي وانحرافاته دون القدرة على الفهم والتمييز وتصحيح المسارات والغوص في أعماق القضايا التي يواجهها، حتى تنطلق المسيرة من جديد؛ فاجتمع في الأزمة المعرفية لدى الأمة أمران؛ أحدهما: الإكثار من الرواية، والثاني: تقديسها وتعطيل مقاييس نقدها وإعادة استيعابها.

ومن نتائج ذلك أصبح الفرد المسلم أمام موقفين: الأول؛ أن يتقبل كل تاريخه وماضيه بعقده وانحرافاته وما تركته من بصمات على منهجه وفكره ومجتمعه ومؤسساته والثاني؛ أن يرفض كل تراثه وتاريخه وكل مقومات شخصيته وكيانه؛ لأن مسيرتها على مرّ الأجيال والقرون أصابها خلل، ولأنّ معالم شخصيته أصابتها أمراض وتشوّهات وعلل، فكانت محصلة رؤيته المعتمة خلطاً بين الفكر والعقائد وبين الغايات والوسائل، وبين الدين والتاريخ، وبين المبادئ والرجال، وبين القيم والأحداث وبين المفاهيم والتقاليد … قيودا وأثقالا وأغلالا"، فهذا الخلط بين المقدّس وغير المقدّس جعل المجتمع المسلم في الحاضر على اتساع رقعته- يتجاذبه قطبان: القطب الإسلامي الذي يتمسك بالتراث ويقدّسه في الغالب دون تمحيص، والقطب العلماني الذي يُلغي ذلك التراث ويرفضه جملةً؛ وفي ظل هذا التجاذب والصراع ضاعت الرسالة السمحة وأصيبت الأمة بالشلل وتكالب الأعداء؛ بينما المنهج القويم يكمن في التمييز بين المأخوذ والمتروك، وبين المقدس وغير المقدس. ونتطرّق هنا إلى بيان التصنيف المنهجي المطلوب للنصوص الإسلامية؛ سعيا للخروج من الأزمة المعرفية التي

2

أوضحناها آنفا.

3

1 حب الله حيدر، حجية السنة في الفكر الإسلامي - قراءة وتقويم، ط 1، مؤسسة الانتشار العربي، بيروت، 2011 م، ص 511.

عبد الحميد أحمد أبو سليمان أزمة العقل المسلم، ط 1، دار الهادي، بيروت، 2003 م، ص 47 - 48

عبد الحميد أحمد أبو سليمان أزمة العقل المسلم، مرجع سابق، ص 49.

189