الضوابط العلمية لعرض الحديث الصحيح على القرآن
الجزء ١ · صفحة ٢٠٩ثانيا: التصنيف المنهجي للمصادر الإسلامية.
بعد تشخيص الأزمة المعرفية للأمة وكشف الداء الذي أصاب فكرها وإيمانها وتراثها، ندرك أهمية تنقية الحديث والتراث الإسلامي مما علق به من الشوب على مرّ التاريخ، لكن هاهنا خطوة مهمة تسبق هذا العمل، ألا وهي: التصنيف المنهجي الدقيق للمصادر الإسلامية، وتحديد مرتبة كل منها بعد ترتيبها ترتيبا سليما، وبيان علاقة
بعضها ببعض.
وقد بينا - في الفصل الأول - بالتفصيل مكانة القرآن ومنزلته ثم مرتبة السنة النبوية منه وحجيتها، ودورها البياني للقرآن الكريم والعلاقة المتبادلة بينهما، والفرق بينها وبين الحديث، ثم بيّنا خصائص كل من القرآن الكريم والحديث، وبناءً على كل ذلك؛ يمكن تصنيف النصوص الإسلامية من حيث الثبوت كالآتي:
1 - القرآن الكريم.
فهو يحتل المرتبة الأولى؛ لكونه كلام الله تعالى وقطعي الثبوت جملة وتفصيلا، وهو الكتاب الوحيد المجمع عليه بين كل المسلمين، وقد أبى الله تعالى أن تكون العصمة لغير كتابه، فكل ما في القرآن حق مطلق، وهو محفوظ من التبديل أو التحريف أو الزيادة أو النقصان على مر الزمان.
ومن جهة الدلالة فأغلبه قطعي محكم، وقد سماه الله بالمحكمات التي هي أم الكتاب وأصله، وفيه آيات أُخر ظنّية الدلالة وهي المتشابهات وبيانها في إرجاعها إلى المحكمات في الغالب.
ويلي القرآن الكريم في المرتبة القسم الآتي.
2 - السنة المجتمع عليها؛
1
شاع عند العلماء تقسيم الحديث إلى متواتر وآحاد فالحديث المتواتر: "هو الحديث الصحيح الذي يرويه جمع يحيل العقل والعادة تواطئهم على الكذب عن جمع مثلهم في أول السند وآخره ووسطه .... والحديث الأحادي في الاصطلاح- ما لم يجمع شروط التواتر "، فشروط المتواتر في هذا التعريف ثلاثة هي: رواية الجمع الكبير عن مثلهم، واستحالة تواطئهم على الكذب، وتوفّر الشرطين واستمرارهما على كامل الإسناد. لكن مصطلح المتواتر هذا تعترضه إشكالات علمية، بينها الشافعي (ت 204 هـ) في كتابه جماع العلم، منها
خبر
أنّ الجمع الكبير الذي يستحيل تواطؤهم على الكذب يتمثل في صورتين: الأولى؛ أن يُروى الحديث بأسانيد مختلفة عن عدد من الصحابة كل إسناد منها منفرداً داخل في حد الواحد، وبمجموعها داخلة في حدّ المتواتر؛ وبيّن الشافعي أنه كما يمكن وقوع الغلط في أفراد تلك الأسانيد متفرّقةً لا يمنع من وقوعه فيها مجتمعة؛ لأنها في الأصل رواية أفراد، كل على حده.
صبحي الصالح، علوم الحديث، ومصطلحه ط 4، دار العلم للملايين، بيروت، 2009 م، ص 146، 150. ينظر: محمد بن إدريس الشافعي، جماع العلم دط مكتبة ابن تيمية، مصر، دت، تح: أحمد شاكر، ص 75 - 87.
190
1
2