الضوابط العلمية لعرض الحديث الصحيح على القرآن
الجزء ١ · صفحة ٢١٣قال الشافعي (ت 204 هـ) في ذلك: "أما ما كان نص كتاب بيّن أو سنة مجتمع عليها فالعذر فيها مقطوع، الشك في واحدٍ منهما، ومن امتنع من قبوله استُتيب"، فبيّن أن العذر مقطوع في الكتاب والسنة المجتمع عليها، فمنكرُ شيءٍ منهما آثم، تلزمه التوبة.
ولا يسع
ثم بيّن القسم الثالث وهو خبر الواحد العدل فقال: "أما ما كان من سنة من خبر الخاصة الذي قد يُختلف الخبر فيه، فيكون الخبر محتملا للتأويل، وجاء الخبر فيه من طريق الانفراد؛ فالحجّة فيه عندي أن يلزم العالمين، حتى لا يكون لهم ردّ ما كان منصوصاً منه كما يلزمهم أن يقبلوا شهادة العدول لا أن ذلك إحاطة كما يكون نص الكتاب وخبر العامة عن رسول الله، ولو شكٍّ في هذا شالك لم نقل له: تُب؛ وقلنا: ليس لك إن كنت عالما أن
تشك كما ليس لك إلا تقضى بشهادة الشهود العدول وإن أمكن فيهم الغلط، ولكن تقضى بذلك على الظاهر من صدقهم والله ولي ما غاب عنك منهم" 2، فبين أن نص خبر الآحاد (خبر (الخاصة دون نص الكتاب والسنة المجتمع عليها (خبر العامة عن العامة في المرتبة، وأنه حجّة يلزم العمل به وإن احتمل الغلط، قياساً على شهادة العدول، وأنّ لزوم العمل به اقتضاه ظاهرُ صدق الرواة وليس إحاطةً وقطعا بثبوته في نفس الأمر؛ ولذلك لا يلزم
استتابة منكره.
ونجد مثل هذا التمييز عند ابن عبد البرّ (ت 463 هـ)، في قوله: "أصول العلم الكتاب والسنة، وتنقسم السنة إلى قسمين: أحدهما إجماع تنقله الكافّة عن الكافّة، فهذا من الحجج القاطعة للأعذار إذا لم يُوجد هناك خلاف، ومَنْ ردّ إجماعهم فقد ردّ نصاً من نصوص الله يجب استتابته عليه وإراقة دمه إن لم يتب؛ لخروجه عما أجمع عليه المسلمون، وسلوكه غير سبيلهم جميعا، والضرب الثاني من السنة: خبر الآحاد الثقات الأثبات المتصل الإسناد فهذا يوجب العمل عند جماعة علماء الأمة الذين هم الحجّة والقدوة ومنهم من يقول: يوجب العلم والعمل، فميّز بين السنة المجمع عليها بين المسلمين، التي لا يجوز فيها الخلاف ويفشق منكرها، وبين الحديث
جميعاً"4
الآحاد الذي رواه الثقات، فهو دونه في الدرجة.
1
2
3
الشافعي، الرسالة، مرجع سابق، ص 234 - 235.
الشافعي، الرسالة، مرجع سابق، ص 235.
مع
التحفظ الشديد من
هذه العبارة القاسية من إباحة دم منكر المتواتر؛ إذ أراها مخالفة لكليات القرآن وقوانينه، كقوله تعالى: لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ [البقرة: 256] وقوله: {وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ [الكهف: 29]، وقوله: ﴿فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة: 193]، وقوله: ﴿فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ﴾ [البقرة: 191]، وقوله: لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ. إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} [الممتحنة: 8،9]، وغيرها من الآيات الدالة على حرمة القتل والاعتداء إلا على المعتدين المقاتلين.
4
يوسف ابن عبد البر، جامع بيان العلم وفضله، مرجع سابق، 780/ 1.
194