الضوابط العلمية لعرض الحديث الصحيح على القرآن (المنهج والتطبيق) محمد بن قاسم شقبقب

الضوابط العلمية لعرض الحديث الصحيح على القرآن

الجزء ١ · صفحة ٢١٤

إذن فالذي لا يجوز فيه الخلاف وعليه يبنى الإيمان اليقيني والأحكام الأساسية في الدين، ولا يُعذر منكره

هما القسمان الأولان اللذان ثبتا بالقطع واليقين، وأطبقت عليهما الأمة قاطبة، سنة وشيعةً وإباضية وغيرها؛ أما القسم الثالث فهو ظنّي الثبوت والباب فيه واسع للنظر والاجتهاد والتصحيح والتضعيف، والاختلاف فيه، فيعذر من أنكر بعضه بالدليل؛ ولا يُبنى عليه الإيمان الجازم إلا من قبيل الاستئناس.

411

كما ينبغي عرض القسم الثالث (خبر الواحد الصحيح على القسمين الأولين (الكتاب والسنة المجتمع عليها) وفهمه في ضوئهما، فما وافقهما يُعمل به، وما خالفهما فلا عبرة به إذا تعذر الجمع والتوفيق، وقد أفرد الدبوسي (ت 430 هـ) في كتابه بابا سماه انتقاد الخبر بعد ثبوته عن الرسول ال مسندا أو مرسلا، ذكر فيه أن " الخبر ينتقد من وجوه منها: العرض على كتاب الله، ورواجه بموافقته وزيافته بمخالفته؛ ثم على السنة الثابتة عن رسول الله تواترا أو استفاضة أو إجماعا 3، واستدلّ على الوجه الأول - أي العرض على الكتاب- بحديث العرض المتقدم ذكره، وبأنّ "كتاب الله تعالى ثابت ثبوتا يقينيا، وخبر الواحد ثابت ثبوتا فيه شبهة، فكان ردُّ ما فيه شبهة باليقين أولى من ردّ اليقين به، وعلّل الوجه الثاني - أي العرض على السنة المتواترة - بأنها "بمنزلة الكتاب في إفادة العلم"، فبين لزوم اتخاذ العرض على الكتاب والسنة المتواترة مقياساً لنقد الخبر الآحاد. وبين الدبوسي أن "في هذا الانتقاد علمٌ كثيرٌ، وصيانة للدين بليغة، فأكثرُ الأهواء والبدع كانت من قبل العمل بخبر الواحد اعتقادا أو عملاً، بلا عرض على الكتاب أو السنة الثابتة، ثم تأويل الكتاب بموافقة خبر الواحد، وجعل المتبوع تبعًا، وبناء الدين على ما لا يوجب العلم يقينا، فيصيرُ الأساس علما بشبهة، فلا يزداد به إلا بدعة، وكان هذا الضرر بالدين أعظم من ضرر من لم يقبل خبر الواحد فاضطر إلى القول بالقياس"، فأبرز جانباً مهما من الأزمة المعرفية التي تحدّثنا عنها آنفا وإضرارها بفهم الدين وبين الصواب في تصنيف النصوص وترتيبها ترتيبا سليمًا، وعرض بعضها على بعض، ثم الترجيح بينها بحسب القوة.

51

611

إذن فقبل أن تقدم إلى تنقية التراث ومراجعته لا بد من التمييز العلمي الدقيق بين ما هو جهد بشري معرّض للنقص والخطأ، والأهواء وبين الوحي الإلهي الخالص المقدّس المعصوم من أي خلل ونقصان، فالعنصران الأوَّلان القرآن والسنة المتواترة المجتمع عليها هما من الوحي المقدّس المعصوم، أما العنصر الثالث –وهو الآحاد بما فيه الصحيح - فلا يمكن تصنيفه ضمن دائرة الوحي إلا بعد أن يمرّ عبر مقابيس نقد السند والمتن، ومن

الحديث

1

هذا طبعا في حال قطعية الدلالة، أما في حال ظنّيتها فيجوز الاجتهاد والاختلاف في الاستنباط منهما.

2 الدبوسي، تقويم الأدلة في أصول الفقه، مرجع سابق، ص 196.

3

4

5

م ن، ص ن.

م ن، ص 196.

م

ن، ص 197.

6 م ن ص ن.

195