الضوابط العلمية لعرض الحديث الصحيح على القرآن
الجزء ١ · صفحة ٢١٥أهمها مقياس العرض على القرآن الكريم، فما وافقه بكل المعايير يمكن أن يرتفع إلى دائرة الوحي أو ما يقرب منه، وما خالفه مخالفة حقيقية يبقى مصنفا ضمن دائرة التراث البشري، أما ما تردّد بين هذا وذاك؛ فهو محل الاجتهاد والنظر ولا يرقى إلى القداسة المطلقة.
كل هذا من جهة الثبوت؛ أما من حيث الدلالة فينقسم النص إلى محكم واضح المعنى، ومتشابه مبهم أو متعدّدِ المعاني والمطلوب: ردّ المتشابه إلى المحكم وفهمه في ضوئه؛ لأنه يمثل أم الكتاب وأصله الذي يُرجع إليه، وقد نهى الله تعالى عن اتباع المتشابه، وعَدَّ ذلك مدخلاً للزيغ والانحراف؛ إذ يقول: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾ [سورة آل عمران: 7].
ثالثا: تنقية الحديث والتراث الإسلامي
عندما نتأمل في التراث الإسلامي نجد أغلب علوم الشريعة اعتمدت في مصادرها على الأحاديث، في شتى فنونها، من تفسير وعقيدة، وفقه وأصول، وسيرة وتاريخ وحتى السياسة والأخلاق؛ فإذا كانت الأحاديث والروايات لها كل هذه المكانة في مصادر المعرفة الدينية؛ فهذا يتطلب أن تُحظى بالعناية المركزة في طرق تمحيصها
وفخصها.
ويرى سعيد النورسي (ت 1960 م) أنّ الكتب الدينية "ينبغي أن تكون شفافةً لعرض القرآن الكريم وإظهاره، وليس حجابًا دونه كما آلت إليه بمرور الزمان من جراء بعض المقلّدين … ؛ فلو وُجّهت حياة المسلمين الدينية كافة شطر القرآن الكريم مباشرةً لنالَ ذلك الكتاب المبين من الرغبة والتوجّه أضعاف ما هو مشتت الآن من الرغبات نحو الآلاف من الكتب، بل لكان القرآن الكريم مهيمنا هيمنةً واضحة على النفوس، ولكانت أوامره الجليلة مطبّقة منقذة كليا، وما كان يظل كتابًا مباركًا يُتبرك بتلاوته فحسب، فأرشد إلى عدم حجب الأنوار القرآنية بما يخالفها أو يشوش عليها من الأفكار الأخرى، واتخاذ كتاب الله حاكما مهيمنا على ما سواه.
ويرى طه العلواني (ت 2016 م أنّ إخراج الأمة الوسط الشاهدة على الناس من هذه الأزمة يقتضي مراجعةً شاملةً ذات منطلقات منهجية معرفية لتراثنا كُلّه وهذه العملية قد تتطلب تجنيد مئات الباحثين، وعقد العديد من اللقاءات والندوات العلمية المتخصصة لدراسة تراثنا وتحليله كله؛ لرصد سائر تلك الأفكار السامة والمريضة، وتمييزها عن السليم الصحيح من تراثنا، لئلا تستمر تلك الأفكار السامة بالفتك بالسليم الصحيح،
بديع الزمان سعيد النورسي، صيقل الإسلام ترجمة إحسان الصالحي، ط 3، دار الكتب المصرية، القاهرة، 2002 م، ص 348 - 349.
196
1