الضوابط العلمية لعرض الحديث الصحيح على القرآن
الجزء ١ · صفحة ٢١٨ومن هنا ندرك أنّ مقياس عرض الحديث على القرآن الكريم له بُعد معرفي جؤهري؛ يتمثل في تمحيص كل
مدرسة لمروياتها وتراثها بمعايير القرآن الكريم بتجرُّد، وإنصاف قبل اللجوء إلى نقد مرويات مخالفيها، فإذا تم تفعيل قاعدة العرض بهذا المنهج الموضوعي والنزيه في جميع المدارس فسيكون له الأثر البالغ على تنقية فكر الأمة برمتها مما علق به على مر الزمن، وكان سببًا في تخلفها وتأخرها، وإن تخليص العقل الجمعي من هاته الشوائب الدخيلة والتمسك بمصدرها الأول كلام الله تعالى سيبت فيها الروح من جديد، ويعيد لها مجدها التليد، بعد أن
يخطو بها خطوة عظمى نحو التقارب والاتحاد؛ كما سنرى في العنصر الآتي.
المطلب الثاني: دور العرض في وحدة المرجعية الإسلامية.
للأمة
إن الأزمة المعرفية التي ضربت جذورها في فكر الأمة الإسلامية إضافةً إلى الأهواء السياسية، جعلت المسلمين ينقسمون عقديا إلى طوائف وفرق يكفّر بعضها بعضا، وكلٌّ منها يدّعي الحق لنفسه، ويرمي غيره بالبدعة والضلال، بالرغم من اتفاقهم جميعا على كتاب الله تعالى، ومرجعيته ومن أسباب ذلك أنهم أحاطوه بكم هائل من المرويات التي لا يتفقون بشأنها؛ فتشكلت لديهم خلفيات وأحكامُ مُسبقة توارثوها، فأخذوا يلوون أعناق الآيات لموافقة موروثاتهم، وبذلك جعلوا القرآن تبعا لمروياتهم، بدل أن يتخذوه حاكما ومهيمنا عليها.
وسنبين في هذا المطلب دور مبدأ العرض في توحيد المرجعية لدى الأمة كما يأتي:
أولا: سنّة الاختلاف وحكمه في القرآن
بين القرآن الكريم أنّ الاختلاف سنة إلهية في البشر، فقد خُلقوا لأجل ذلك ابتلاء لهم واختباراً؛ ليَمِيز الله تعالى أولي الألباب الذين أعملوا بصائرهم في الاهتداء إلى صراط الله من غيرهم؛ إذ يقول: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾ [سورة هود: 118 - 119]، قال ابن عاشور في تفسير الآية: "ولما أشعر الاختلاف بأنّه اختلاف في الدين، وأنّ معناه العدول عن الحق إلى الباطل؛ لأن الحق لا يقبل التعدّد والاختلاف، عُقب عموم ولا يزالون مختلفين باستثناء من ثبتوا على الدين الحق ولم يخالفوه بقوله: إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ؛ أي فعَصَمهم من الاختلاف، وفهم من هذا أنّ الاختلاف المذموم المحدر منه هو الاختلاف في أصول الدين الذي يترتب عليه اعتبار المخالف خارجا عن الدين وإن كان يزعم أنه من متبعيه، فإذا طرأ هذا الاختلاف وجب على الأمة قصمه وبذل الوسع في إزالته من بينهم بكل وسيلة من وسائل الحق والعدل بالإرشاد والمجادلة الحسنة والمناظرة، وأصول الدين هي المحكمات المبينة بالأدلة القاطعة من جهتي الدلالة
والثبوت.
ونأخذ من هذا الاستثناء إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ أن المرحومين لا يختلفون في المحكمات، فالاختلاف مذموم فيها؛ إذ الأصل هو الاتفاق في اتباع الوحي، وبخاصة في الأمور التي بينها الوحي القاطع بتفصيل، وأنارها بهديه،
1
ابن
عاشور، تفسير التحرير والتنوير، مرجع سابق، 189/ 12.
199