الضوابط العلمية لعرض الحديث الصحيح على القرآن (المنهج والتطبيق) محمد بن قاسم شقبقب

الضوابط العلمية لعرض الحديث الصحيح على القرآن

الجزء ١ · صفحة ٢١٩

فلا يسعُ فيها الاختلاف؛ لأنها مبيّنة، وموضّحة وقد سماها القرآن بـ البينات، ليس للمرء إلا أتباعها دون ريب

تردّد، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [سورة آل عمران:105]؛ فجعل الاختلاف في البينات مذموما، والبينات هي الواضحات "من حُجَج اللَّهُ فِيمَا اِخْتَلَفُوا فِيهِ، وَعَلِمُوا الْحَقِّ فِيهِ فَتَعَمَّدُوا خِلَافه، وهي موجودة في القرآن الكريم، ولذا نهى الله عن الاختلاف فيه؛ أي في محكماته وبيناته، حيث يقول: {ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيد [سورة البقرة: 176].

2

وقد جعل الله صراطه المستقيم واحدا مفردا، ناهيا عن التفرّق باتباع السبل الأخرى المتشعبة، فقال: وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [سورة الأنعام: 153]، وأكد هذا الأمر ببيان براءة النبي الله من المتفرقين في دينهم، وأنهم ليسوا متبعين لمنهجه في شيء في قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ [سورة الأنعام: 159]، وأنّ هذه وصية الله تعالى لهذه الأمة وما قبلها من الأمم إذ يقول تعالى: شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ} [سورة الشورى: 13].

وجاءت آيات كثيرة تنعى على أهل الكتاب ونحن بالتبع تفرقهم في الدين، لا سيما بعد مجيء الرسل بالبينات؛ وكان الأولى رجوع الناس إلى تلك البينات واعتصامهم بها واحتكامهم إليها عند التفرق والاختلاف فيها؛ ولكنهم لم يفعلوا، بل كان تفرقهم بعد مجيء العلم والبينة؛ حيث يقول تعالى: ﴿وَمَا تَفَرَّقُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾ [سورة الشورى: 14]، ويقول: {وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَة [سورة البيئة: 4].

لكن ذم الاختلافِ في القرآن الكريم لا يقتضي التباغض والعداوة بين المسلمين المختلفين؛ لأنّ الذي يعلم الحق ويحكم به بينهم يوم الفصل هو الله سبحانه وحده، حيث يقول: لِكُلِّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ} [سورة المائدة: 48]، والفصل بينهم في هذا الخلاف القائم لا يكون إلا في اليوم الآخر؛ حيث يقول: ﴿اللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ [سورة الحج: 69]، ويقول: وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ [سورة النحل: 92].

محمد بن جرير الطبري، تفسير الطبري جامع البيان، ط 2، مكتبة ابن تيمية القاهرة، 1971 م، 92/ 7. ينظر: محمد رشيد رضا، تفسير المنار، مرجع سابق، 216/ 8.

200

1

2