الضوابط العلمية لعرض الحديث الصحيح على القرآن
الجزء ١ · صفحة ٢٢٠هذا، ولا ريب أن هناك أسبابا موضوعية للتعدّد والاختلاف المذهبي المشروع منها: وجود المتشابه في بعض النصوص، والظنّية في الدلالة أو الثبوت؛ لكن الأصل أن يبقى ذلك الخلاف منحصرا في الفروع التي لم ينزل فيها نص قاطع ثبوتا ودلالة، ويظل ملتزما بقيم التعايش والتسامح والحوار والاحترام والصراط المستقيم الذي ينبغي اتباعه لا يمكن وصفه بأنه خيط رفيع أو نهر هادر هكذا على الدوام؛ وإنما يختلف الأمر بحسب المقام، فالاجتهاد والاختلاف يسعان ويتسعان بحسب ظنيّة الأدلة ثبوتا أو دلالة، ويضيقان بحسب قطعيتها.
بدعوة
ثانيا: واقع التفرّق في الأمة وأثره:
الله
التي سماكم
أوّل مظهر لتفرق المسلمين هو تخليهم - في الغالب عن الاسم الذي سماهم الله به وهو المسلمين'، إذ يقول تعالى: ﴿هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا﴾ [سورة الحج: 78]، ويقول: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [سورة فصلت: 33]، وعن النبي أنه قال: «فادعوا الله بها المسلمين المؤمنين عباد الله، وتمسكوا بدلاً منه بالألقاب والأسماء المذهبية؛ فيقال: هذا سني وذاك شيعي، وهذا زيدي وذاك إباضي … الخ من الأسماء التي لم تكن شيئا مذكورا في عهد النبي ولا في عهد الخلافة الراشدة فأصبحت تُبنى عليها الأسماء والأحكام، فهذا أهل سنة وذاك أهل بدعة، وهذا أهل حق وذلك أهل ضلال ونسوا استحضار الاسم الأصلي وهو الإسلام، وما يترتب عنه من حقوق متمثلة في قول النبي المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يخذله .... كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه»، ونحوها. فليت الخلاف توقف عند حدود الرأي، وإنما تعدّى إلى التباغض والتحاسد والتدابر، وانتهى إلى التقاتل وسفك الدماء في شتى أقطار بلاد الإسلام، مما أتاح الفرصة للأعداء لأن يتكالبوا عليهم وعلى ثروات بلادهم، ويتخذوا منهم لعبةً بين أيديهم تُحرَّك وفقًا لأهدافهم ومصالحهم.
وقد أشار الله تعالى في كتابه أن التفريق بين المسلمين من أهمّ مطامح الأعداء، الذين ما فتئوا يحاربون هذا الدين ويبحثون عن أسباب إضعافه داخليا للإجهاز عليه، حيث يقول: مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ} [سورة البقرة: 105]؛ ولذا حذر من اتباعهم وطاعتهم، وبين أن السبيل الوحيد للنجاة هو الاعتصام بحبل الله؛ فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ. وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيم﴾ [سورة آل عمران:100 - 101].
وكان أثر هذا التفرّق جليا حيث تشتت شملهم وضعُفت قواهم وتقهقرت مكانتهم في المعمورة، وهو ما حذر منه المولى تعالى بقوله: ﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [سورة
السنن الكبرى للنسائي، كتاب السير، الوعيد لمن دعا بدعوى الجاهلية، ح:8596؛ صحيح مسلم، كتاب البر والصلة والآداب، باب تحريم ظلم المسلم، ح:4756.
صححه
الألباني.
201
1
2