الضوابط العلمية لعرض الحديث الصحيح على القرآن (المنهج والتطبيق) محمد بن قاسم شقبقب

الضوابط العلمية لعرض الحديث الصحيح على القرآن

الجزء ١ · صفحة ٢٢٢

غير القرآن بالقرآن؛ لكونه هو المصدّق والمهيمن، فكلّما تمسك المسلمون بالكتاب اتحدوا، وكلما هجروه وتمسكوا بغيره دونه افترقوا واختلفوا ومزقوا كل ممزق.

ورأى أحمد الخليلي أنه قد بعد الناس كثيرا عن القرآن وعوّلوا على غيره في تصوّرهم لعقائد الدين، وهذا الذي أدى بهم إلى الاختلاف والتفرّق والتنازع والتشتت؛ إذ سلكوا طرائق قددا في فهم الدين وصاروا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ} [سورة المؤمنون: 53]، ذلك لأهم اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا} [سورة الفرقان: 30]، كأنما أنزل عليهم لمجرد التسلي به في تلاوته بأشجى الأصوات وأحسن الأنغام، فلا بدّ من العودة الصادقة إلى كتاب الله واتخاذه دستورا وحكما في فهم عقائد الدين للتخلّص من الفرقة والخلاف.

كما لاحظ عمار جيدل أنّ كلّ مذهب من المذاهب الإسلامية المعتد بها لدى الجمهور يتمسك بأحاديث معينة يؤسس بها لمذهبه، وتُشكّل ما يسمى بقطعيات المذاهب؛ فلكل مذهب قطعياته التي يتمسك بها ويدافع دونها بكل ما أوتي من حجّة، وقد سببت تلك القطعيات وفق تصوّر أهل المذاهب - حرجا كبيرا لرواد التقارب بين المذاهب على مر التاريخ، فاتخاذهم من الأحاديث الظنية قطعيات مقدسة كان حائلا دون التقارب

والائتلاف.

وإلى جانب ذلك أيضا؛ فعدم تجسيد التصوّرات والقيم الأخلاقية القرآنية والنبوية عمليا كالتواضع والتسامح والتناصح والمصابرة وغيرها من أسباب إلقاء الله العداوة بين البشر؛ وفق قانون العداوة والبغضاء المبين في قوله تعالى: ﴿وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ [سورة المائدة: 14]، فهذه الآية وإن وردت

:

في سياق أهل الكتاب أرست قانونا إلهيا ثابتا، صالحا لكل البشر؛ إذ قوانين الله عادلة وثابتة، فإذا أتى المسلمون

بالأسباب نفسها لقوا الجزاء نفسه.

والجدير بالتأمل أن الضمير في عبارة فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ راجع إلى الله تعالى، أي أنه سبحانه هو الذي يلقي هذه العداوة بين الناس جزاء نسيانهم نصيبا مما ذكرهم الله به، فالمطلوب هو الإيمان بكل

الكتاب وعدم

اتخاذه

عضين يُؤخذ ببعضه دون بعض.

ويؤكد الله تعالى في آية أخرى نسبة هذا الجزاء إليه بقوله: {قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضِ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ

1

2

3

ينظر: طه جابر العلواني، إشكالية التعامل مع السنة النبوية، مرجع سابق، ص 243. أحمد الخليلي، برهان الحق - دراسة معمّقة في تأصيل العقيدة الإسلامية، مرجع سابق، 15/ 1.

عمار جيدل، الحوار بين المذاهب الإسلامية، أبحاث مؤتمر الحوار مع الذات، جامعة فلاديفيا، 2003 م، دط، دار مجدلاوي، عمّان-الأردن،

2004 م، ص 355 - 356.

203