الضوابط العلمية لعرض الحديث الصحيح على القرآن (المنهج والتطبيق) محمد بن قاسم شقبقب

الضوابط العلمية لعرض الحديث الصحيح على القرآن

الجزء ١ · صفحة ٢٢٣

لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ} [سورة الأنعام: 65]؛ فقوله: يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا، أي يخلط أمركم خلط اضطراب لا خلط اتفاق، فيجعلكم فرقا ولا تكونون فرقة واحدة، فإذا كنتم مختلفين قاتل بعضكم بعضا وهو معنى قوله: {وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ، فيُلحظ أن ضمير الفاعل راجع إلى الله تعالى، وهذا العقاب جزاء البعد عن كتابه وهدي نبيه

أن

ومما زاد الفرقة حدةً والعداوة شدّةً بين المسلمين بشتى مدارسهم ما اشتهر بينهم من رواية الفرقة الناجية، التي تقرر أنّ الطوائف الإسلامية كلها في النار إلا واحدة، فأصبح الكل يدعي أنه تلك الواحدة، وغيره في النار، في كل فرقة مؤمنين، مخلصين وباحثين عن الحق، منصفين وناصحين مصلحين أو ضعفاء لم تقم عليهم الحجة، كما نجد في كل واحدة منها أيضا غالين وفاسقين وزائغين عن سواء السبيل؛ فكيف يكون الحكم بالجملة على الصالحين وغيرهم على السواء؟!.

مع

وقد وردت أحاديث كثيرة تتحدث عن الفتن والملاحم التي ستقع، وما سيصيب الأمة في مستقبلها من بلايا ومصائب وحروب داخلية، وتمزقات مذهبية وطائفية، وفُهِم ذلك على أنّه من القضاء الذي لا يُرَدّ؛ دون اعتبار لظنية هذه الروايات وإمكان تأثرها بالسياسة من جهة، ودون تمييز بين الخطاب الشرعي والخطاب القدري من جهة أخرى؛ إذ لو وقف المسلمون على الحياد، وقالوا لا نُصلح بين الإخوة الفرقاء ولا نقاتل الباغي؛ لأنّ ما وقع مصداق النبوءة النبي المروية في الأحاديث؛ فهذا انحراف في الفهم، وتخلّ عن المسؤولية الإيمانية

والأخلاقية، فبذلك أضحت هذه الروايات مبرّرة للواقع المعيش، وحائلة دون تغييره وإصلاحه. أضف إلى هذا؛ أنّ المرويّاتِ الحديثية ألحقت قضايا فرعية بمسائل الإيمان، فرفعت إلى مصاف الأصول؛ مع أنها لم ترد في كتاب الله وعل، فاختلفوا بشأنها وتنازعوا إلى حدّ التكفير، بينما الإيمان وفق العرض القرآني ميسور وبين، وفي متناول الجميع، فحَدَث تعقيده وتعسير فهمه بالشوائب البشرية المضافة إليه، ففرّقت المسلمين وأبعدتهم عن جوهر الدين وروحه، مع أنّ أسس الإيمان محدّدة في قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ

1

2

محمد الرازي، التفسير الكبير، مرجع سابق، 24/ 13. ينظر نقد روايات حديث الفرقة الناجية سندا ومتنا لمختلف المدارس: محمد الصنعاني حديث افتراق الأمة، تح: سعد السعدان، ط 1، دار العاصمة السعودية، 1415 هـ، كله؛ إبرهيم، الشاطبي الاعتصام، دط، دار ابن عفان، السعودية، 1992 م، 698/ 2 - 801؛ عمار جيدل، الحوار بين المذاهب الإسلامية، مرجع سابق، ص 356 - 365؛ محمد يحي عزان، حديث افتراق الأمة تحت المجهر، مجلة المسار، ع 1، كله؛ فرحات الجعبيري، السبيل إلى وحدة الفرق الإسلامية، ط 1، مكتبة الضامري، عُمان، 2014 م، ص 30 - 38؛ خميس العدوي، رواية الفرقة الناجية المنطق والتحليل، ط 1، مكتبة الغبيراء، سلطنة عُمان، 2009 م، كله.

3

محمد الشنقيطي، الخلافات السياسية بين الصحابة، مرجع سابق، ص 111.

204