الضوابط العلمية لعرض الحديث الصحيح على القرآن (المنهج والتطبيق) محمد بن قاسم شقبقب

الضوابط العلمية لعرض الحديث الصحيح على القرآن

الجزء ١ · صفحة ٢٢٤

الْآخِر فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا [سورة النساء: 136]، ولو كانت تلك المسائل الفرعية مما يؤثر على إيمان المرء وتصوّره لأثبتها الله وعجل في كتابه إثباتا يقطع الحجة.

وقد كان موقف مالك بن أنس (ت 179 هـ) حكيما وسديدًا لما أراد أبو جعفر المنصور (ت 158 هـ) حمل الناس في الأمصار على موطأ مالك بعد أن اطلع عليه وشهد له بالأحقية، فأجابه مالك جواباً يدل على سعة تفكيره ورجحان عقله: "يا أمير المؤمنين، لا تفعل هذا، فإن الناس قد سبقت إليهم، أقاويل، وسمعوا أحاديث، ورووا روايات، وأخذ كل قوم بما سيق إليهم، وعملوا به ودانوا به من اختلاف أصحاب رسول الله وغيرهم، وإن ردهم عما اعتقدوه شديد فدع الناس وما هم عليه، وما اختار أهل كل بلد لأنفسهم"، فلو كان يرى أنّ أحاديثه ملزمة ومما ينبغي أن يُعلم بالضرورة لما امتنع عن ذلك.

رابعا: فريضة الوحدة الإسلامية:

إنّ وحدة المسلمين وتماسكهم ليس خيارًا استراتيجيا تلجأ الأمة إليه عند الشدة أو الحاجة فحسب؛ بل هي أصل من أصول الدين، وقاعدة عظمى من قواعده والتفريط فيها معصية تُوجب غضب الله وعقابه في الدنيا

والآخرة، قال تعالى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالاً مُّبِيناً [سورة الأحزاب: 39].

ومن

الأدلة على وجوب الوحدة؛ قوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ﴾ [سورة

أمة

الأنبياء: 92]، وقوله: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [سورة التوبة: 71]، فأكد أنّ أمة الإسلام واحدة، متآلفة القلوب متحدة الغايات، فهي على تعدّدها وتنوّعها لا تقبل التباغض والتنازع؛ لأنها تشترك في كليات أساسية منها: الله الكتاب الرسول، التوحيد النبوة، المعاد العبادة … ، وإذا كان الكفّار متناصرين ومتآزرين فيما بينهم فأولى أن يكون ذلك بين المسلمين؛ وإلا فستعمّ الفتنة والفساد في الأرض؛ حيث يقول تعالى: وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ} [سورة الأنفال: 73]. ويؤكد الله تعالى أهمية التماسك وخطورة التفرّق بقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ. وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [سورة آل عمران:102 - 103]، فقَرنَ موضوع الوحدة بتقوى الله والإسلام له؛ لأنها أمور متلازمة مترابطة، وتخلف أحدها يؤثر على الآخر لا محالة، كما صوّر الله سبحانه الموضوع تصويرا بليغا؛ إذ شبه المعاداة والتفرّقَ بحالة الكائن على حافة الوقوع في النّار، وشبه كتابه المنقذ من هذا الشقاق بالحبل الممدود من

ابن عبد البر، الانتقاء في فضائل الأئمة الثلاثة الفقهاء، مرجع سابق، ص 80 - 81.

205

1