الضوابط العلمية لعرض الحديث الصحيح على القرآن
الجزء ١ · صفحة ٢٢٥الله لعباده العاصم إياهم من الهلاك، قال الرازي في تفسير الآية: "واعلم أن كل من يمشي على طريق دقيق يخاف أن تزلق رجله، فإذا تمسك بحبل مشدود الطرفين بجانبي ذلك الطريق أمن من الخوف، ولا شكّ أن طريق الحق طريق دقيق، وقد انزلق رجل الكثير من الخلق عنه، فمن اعتصم بدليل الله وبيناته فإنه يأمن من ذلك الخوف"، فبيّن أن منهج الحق مسلك رقيق محفوف بالمخاطر، يحتاج سالكه إلى سند قوي ليحتمي به. وأوضح الطاهر بن عاشور أن هذا الأمر يهم الأمة ولا يخص الفرد، حيث قال: "ليس المقصود الأمرُ باعتصام كل مسلم في حال انفراده اعتصاما بهذا الدين بل المقصود: الأمر باعتصام الأمة كلها"، ومن هنا يتبين دور القرآن العظيم في تخليص البشرية كافة والمسلمين خاصة من الاختلاف والتفرّق القائم بينهم، فهو كما وصفه: «کتاب الله هو حبل الله الممدود من السماء إلى الأرض»، فهو حبل النجاة من الحيرة والتيه والفتن
النبي
والتشرذم والنزاع.
وبين السالمي (ت 1332 هـ) أنّ أقرب المسالك لتحقيق الوحدة الإسلامية هو التخلص من أسر الأسماء المذهبية المحدثة، أو التخفّف من غلوائها والتمسك باسم الإسلام، إذ يقول: "جمع الأمة بعد تشعب الخلاف ممكن عقلا مستحيل عادة، والساعي في الجمع مصلح لا محالة، وأقرب الطرق له أن يدعو الناس إلى ترك الألقاب المذهبية ويحثهم على التسمي بالإسلام {إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ [سورة آل عمران: 19]؛ فإذا استجاب الناس إلى هذه الخصلة العظيمة ذهبت عنهم العصبية المذهبية، فيبقى المرء يلتمس الحق لنفسه، ويكون الحق أولا عند آحاد من الرجال، ثم يظهر شيئا فشيئا فيصير الناس إخوانا، فالتمسك باسم الإسلام
وترك الألقاب المذهبية أوّل خطوة في طريق الوحدة الإسلامية؛ وإن كانت تُرى بعيدة التحقق أو صعبة المنال. ويرى العلواني (ت 2016 م) طه العلواني (ت 2016 م) أن الآية {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا دلّت على أَنَّه "ليس لأحد أن يستأثر بمجموعة من المسلمين يطلق عليهم اسما يخصهم، ويفصلهم عن أمَّة المسلمين، وشعارات تميزهم عن السواد الأعظم للأمة، وتجعلهم كيانًا مستقلًا عنها، تحت أي شعار وأي اسم، سواء سمي فرقة أو طائفة أو مذهبًا أو حزبًا أو حركة أو تيارًا أو أيَّة تسمية أخرى، فذلك كله يدخل في دائرة المنهي عنه، في أعلى درجات النهى، ويعرّض القائمين به لخزي الدنيا وذلّها وعذاب الله في الآخرة، وبخاصة إذا تحوّل الأمر إلى عداوة وبغضاء. لكن هذا لا يعني إلغاء التعدّد والتنوع كليا؛ فالطبيعة البشرية تنافي ذلك، والوحدة الإسلامية لا تعني إلغاء المذاهب بقدر ما تعني الاعتراف بالمذهب المخالف والتحاور معه باحترام فمن رام جمع المذاهب في مذهب واحد
5 -
محمد الرازي، التفسير الكبير، مرجع سابق، 311/ 8.
الطاهر بن عاشور التحرير والتنوير، دط، الدار التونسية تونس، 1984 م، 31/ 4.
الطبري، جامع البيان في تفسير القرآن، القول في تأويل قوله تعالى: واعتصموا بحبل الله جميعا، ح:6891؛ صححه بن عبد الله السالمي، نهضة الأعيان بحرية عُمان، ط 1، دار الجيل، بيروت، 1998 م، ص 93.
محمد
طه جابر العلواني، ماذا خسر الإسلام بدخول الفرق والأحزاب فيه؟ https://pulpit.alwatanvoice.com، 2018/06/16 م.
206
1
2
3
4
5